قصه وعبره
جنازة في كافيه بقلم الكاتبة نرمين همام
جنازة في كافيه بقلم الكاتبة نرمين همام
بسم الله والصلاه والسلام على اشرف الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قالوا عليه مات.. بس لما شافته قدام عينها، عرفت إن اللي اتدفن كان الحقيقة، وهو اللي كان المسرحية.
سارة كانت قاعدة في كافيه صغير على الناصية، نفس المكان اللي كانت بتعدي منه زمان وهي ماسكة إيد "يحيى"، يضحكوا على أتفه حاجة ويحسوا إن الدنيا أبسط من البساطة. النهاردة الدنيا مش بسيطة خالص، والخوف معشش جواها من سنين.. خوف متغطي بطرحة سودة لبستها يوم ما قالولها: "البقاء لله".
كانت بتعدل طرحتها بإيد مرتعشة، وبتقلب في الموبايل بتمثل إنها بتشوف "فيديوهات" عشان تداري وشها من الناس.. وش أرملة لسه مش قادرة تستوعب إن العمر سرقها في خمس سنين فاتوا كأنهم مية سنة.
دخلت الكافيه، اختارت ترابيزة متطرفة على جنب، أصل بقى عندها عادة ماتعرفش تسيبها: تقعد دايمًا على الحرف، عشان تسيب لنفسها مخرج لو اتخنقت، أو لو الذكريات هجمت عليها فجأة. طلبت قهوة سادة، وقبل ما ترفع الفنجان، سمعت ضحكة.. ضحكة رجولية فيها رنة هي حافظاها بالملي، ضحكة كانت بتصحيها من عز النوم على هزار الصبح.
رفعت عينها غصب عنها، كأن الصوت شدها من قلبها.. وشافته.
يحيى.جنازة في كافيه بقلم الكاتبة نرمين
نفس الشامة الصغيرة اللي جنب عينه.. نفس الميلتة وهو بيضحك كأنه مكسوف.. نفس الطريقة اللي بيشبك بيها صوابعه وهو بيتكلم وبيرسم الأفكار في الهوا. سارة حست إن جسمها اتلج، وإن فنجان القهوة لو اتحرك ملي واحد هينكسر.. ومش الفنجان بس، ده عمرها كله هو اللي انكسر.
يحيى حي.. يحيى قاعد قدامها.. بيتكلم ويضحك وكأنه عمره ما دخل حفرة، ولا اسمه اتكتب على رخام قبر، ولا هي لبست السواد وعاشت سنين في لقب "أرملة".
بس الصدمة ماوقفتش هنا.. الصدمة كانت في اللي قاعدة قدامه. شيرين. صاحبة عمرها.. بنت المدرسة والجامعة.. اللي كانت عارفة أسرار سارة قبل سارة نفسها. شيرين اللي يوم الجنازة كانت لازقة فيها، تمسح دموعها وتقول لها: "اصبري يا حبيبتي، ده مات وهو راضي عنك". شيرين اللي اختفت بعد الجنازة بشهر، بحجة إنها "مش قادرة تشوف سارة حزينة"، وبعدين اتقطعت أخبارها خالص.
سارة لفت وشها بسرعة ورفعت الموبايل قدام عينها، بس كانت بتشوفهم من انعكاس الشاشة. يحيى—أو اللي كان يحيى—لابس بدلة شيك وساعة غالية، شكله راجل ناجح ومرتاح "على الآخر". وشيرين.. ضحكتها مجلجلة، وإيدها في إيده بدلع، والاتنين قاعدين كأنهم أصحاب المكان.
سارة حست بإهانة بتحرق دمها، مش بس خيانة.. ده كأن حد مسح عمرها بـ "أستيكة" وقال
رجعت بذاكرتها لليلة اللي قالوا فيها إنه مات. ليلة سودة، مطر خفيف، وتليفون رن بعد نص الليل: "مدام سارة؟ حصلت حادثة على الصحراوي". راحت وهي مش حاسة برجلها، لقت عربية محروقة "فحم" في قلب المنحدر. ماشافتش الجثة بوضوح، قالولها إن النار أكلت كل حاجة، والتعرف حصل من الخاتم.. خاتم جوازهم اللي كان بيقعد يلعب فيه طول ما هو قاعد.
يومها المحامي "مجدي" وقف جنبها بثبات وقال لها: "الحادثة كانت بشعة يا مدام، وإحنا قمنا باللازم، وحقك محفوظ". هي مكنش همها الحق، كان همها يحيى. بس كل حاجة خلصت بسرعة مريبة: جنازة، عزا، ورق، توقيعات.. وبعد سنة، الدنيا سحلتها في الساقية: فلوس بتخلص، وبيت واسع وبارد، وصوتها وهي بتقول لنفسها: "أنا بقيت لوحدي".
دلوقتي، وهي شايفاه قدامها، فهمت إن الجنازة كانت تمثيلية، وإنها كانت الضحية الوحيدة اللي عيطت بجد على قبر.. غالباً كان فاضي! فكرة "مين اللي مات؟" خبطت في دماغها زي الحجر. لو يحيى حي.. يبقى مين اللي اتحرق؟ ومين اللي اتدفن؟
يحيى وشيرين قاموا، وسارة قامت وراهم من غير ما تفكر. دفعت الحساب وطلعت وراهم على الرصيف، شافتهم بيركبوا عربية سودة فخمة، سواق بيفتح لهم الباب
خدت تاكسي وقالت للسواق: "خليك ورا العربية دي من بعيد". المشوار طول لحد ما دخلوا حي راقي، فيلا محاوطة بسور عالي وكاميرات في كل حتة. البوابة اتفتحت كأنها بتستقبل صاحب البيت. سارة نزلت بعيد شوية واستخبت ورا شجرة، قلبها بيدق لدرجة إنها حست إن الناس في الشارع سامعاه.
وهنا.. شافت اللي جمد الدم في عروقها. طفل صغير، ييجي أربع سنين، خرج يجري وهو بيصرخ: "بابا! ماما!". جري على حضن يحيى وشيرين، ويحيى شاله بفرحة. بابا!
سارة حست إن الأرض بتهد تحتها. خمس سنين وهي بتنام على مخدة مبلولة بدموعها، وهو هنا بيبني حياة جديدة. خمس سنين وهي بتهرب من الناس اللي بيقولولها "اتجوزي تاني"، وهو متجوز ومخلف وصانع عيلة من ورا ضهرها.
رجعت سارة بيتها زي اللي راجعة من حرب. قفلت الباب وقعدت على الأرض، ودماغها بتلف. افتكرت تفاصيل كانت بتعدي عادي: مكالمات كان بيقفلها أول ما تدخل، سفر مفاجئ، ورق كان بيخبيه.. واسم كان ديماً يرميه وسط الكلام: "عمر المنشاوي". شريكه الجديد اللي مكنتش بتشوفه. دلوقتي فهمت.. يحيى مات على الورق، واتولد "عمر المنشاوي" في