قصه وعبره

جنازة في كافيه بقلم الكاتبة نرمين همام

لمحة نيوز

الليل كله منامتش، فتحت كل درج، طلعت قسيمة الجواز، الصور، ورق الشركة، وتوكيل عام كانت موقعاه للمحامي مجدي عشان "يخلص الإجراءات". ساعتها وقعت وهي بتعيط ومش شايفة.. دلوقتي شافت إن توقيعها كان هو "المفتاح" اللي فتح لهم باب الهروب.

تاني يوم الصبح، راحت لمكتب محامي تاني خالص، واحد ماتعرفوش. حكت له كل حاجة. المحامي سألها: "عندك دليل؟ عنوان؟ صور؟". سارة ردت بصوت مبحوح: "عندي عيني.. وعندي حق سنين ضاعت". المحامي بدأ ينبش في الورق القديم، واكتشف إن المحضر اتقفل بسرعة مريبة، والتعرف تم بـ "متعلقات شخصية" سلمها المحامي مجدي بنفسه!

سارة، اللي كانت طول عمرها بتخاف من خيالها، لقت نفسها بتفكر بجرأة غريبة. راحت عند الفيلا تاني، وقفت تراقب من بعيد، لحد ما لمحت المحامي مجدي وهو داخل من البوابة. كده الخيط اكتمل.. اللعبة كانت كبيرة والكل كان شريك فيها.

في ليلة قمرها غايب، سارة عملت حركة مجنونة. لبست لبس غامق وقربت من الفيلا. مكنتش رايحة تسرق، كانت رايحة تسترد عمرها. لفت ورا السور

وسمعت صوت جاي من شباك مكتب في الدور الأرضي.. صوت يحيى.

"يا مجدي.. سارة عمرها ما هتعرف، إحنا دفناها في الحزن من زمان. المهم تخلص تصفية حسابات الشركة، مش عاوز اسمي القديم يظهر في أي ورقة. يحيى مات.. أنا دلوقتي عمر المنشاوي.. مفهوم؟"

سارة حست إن الكلمة نزلت عليها زي القلم. "دفناها في الحزن"؟ يعني كان شايفها جثة وهو عايش حياته! مأدرتش تمسك نفسها، زقت باب المكتب اللي كان موارب ودخلت كأنها عاصفة.

يحيى—أو عمر—وقف فجأة، وشه بقى زي الورقة البيضا. مجدي قام وهو بيترعش من المفاجأة. "سارة؟" الهمسة خرجت من يحيى كأنها اعتراف بالذنب. سارة ردت بصوت عالي وهادي في نفس الوقت: "سارة اللي دفنتها بالحيا يا يحيى؟ مين اللي في القبر؟ وإزاي قدرت تنام ليلة واحدة وأنا شايلة لقب أرملة، وإنت هنا بتبني قصور

يحيى حاول يلم نفسه، ورجع قعد ببرود مستفز: "إنتي جيتي لحد هنا؟ شاطرة.. بس متأخر. اللي في القبر كان حرامي حاول يسرقني ليلتها، في خناقة مات.. حطيت خاتمي في إيده وساعتي جنبه والعربية اتولعت.

أنا كنت محتاج أموت عشان أهرب من ديون وناس مابتخلصش.. موتي كان الحل الوحيد عشان ديوني تموت معايا."

سارة حست بقرف: "وشيرين؟" يحيى ضحك ضحكة باردة: "شيرين كانت شريكتي من البداية، هي اللي نقلت الفلوس لحسابات تانية قبل الحادثة بشهر. وإنتي.. إنتي كنتي (الواجهة).. زوجة محترمة، وانهيارك كأرملة كان هو أكبر دليل للناس إن يحيى مات بجد."جنازة في كافيه بقلم الكاتبة نرمين همام

الجملة دي بدل ما تكسر سارة.. حررتها. رفعت موبايلها بهدوء، والاتنين مخدوش بالهم إنها فاتحة "بث مباشر" (Live) من أول ما دخلت على صفحتها اللي كان عليها آلاف المتابعين لـ "يوميات أرملة". الناس كانت بتشوف وتسمع الغدر "ع الهوا".

مجدي انتبه لصوت الإشعارات في الموبايل، وشه اتخطف: "إنتي بتعملي إيه؟". مد إيده عشان يخطف الموبايل، بس سارة رجعت خطوة: "أنا بطلع من القبر اللي حفرتوه.. والناس كلها دلوقت شايفة (اللي اتدفن غلط)".

في دقايق، الدنيا اتقلبت. البث المباشر خلى الناس تبلغ النجدة، واللوكيشن اتعرف. صوت سرينة

البوليس بدأ يقرب من بعيد. يحيى وقف مكانه مصدوم، كل حساباته اللي رسمها في سنين وقعت في لحظة.

مجدي حاول يتكلم عن "إجراءات وسوء تفاهم"، بس الكلام خلص. دخلت الشرطة وقبضوا عليهم. سارة مكنتش حاسة بالانتصار، كانت موجوعة.. بس كانت واقفة على رجلها.

قبل ما يحيى يخرج وهو متكلبش، سارة قربت منه وهمست في ودنه: "إنت دفنتني في حزني.. فكان عدل ربنا إنك تتدفن في حقيقتك".

خرجت سارة من الفيلا، الهوا كان بارد ومنعش. لمست طرحتها السودة، وشالتها بهدوء.. كأنها بتخلع جلد قديم. حطتها على سور الفيلا وسابتها للريح. مش عشان هتنسى، ولا عشان هتضحك تاني يوم.. بس عشان فهمت إن السواد ده مكانش حداد على يحيى.. كان حداد على نفسها اللي صدقت.

وهي ماشية، سمعت الناس بتتكلم: "دي الست بتاعة مذكرات الأرملة!". سارة مالتفتتش.. لأول مرة مكنتش محتاجة تشرح حاجة لحد. الحقيقة شرحت نفسها، وفي اللحظة اللي ركبت فيها العربية، بصت للسما وحست إن العمر لسه فيه فرصة.. للي يقدر يواجه وجعه ويطلع منه للنور.

جنازة في

كافيه بقلم الكاتبة نرمين همام

تمت

تم نسخ الرابط