شقى العمر وبر الوالدين بقلم نرمين همام
شقى العمر وبر الوالدين بقلم نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
15سنة وهو بيبعت الفلوس، 15 سنة وهو فاكر إن أهله عايشين في رغد ونعيم، لحد ما فتح الباب وشاف خيانة جمدت الدم في عروقه.
15 سنة وهو بيطارد النجاح في بلاد بره. 15 سنة بعيد عن تراب الحارة اللي اتعلم فيها المشي، بعيد عن ريحة شاي الصبح اللي كبقى "منصور" هو الراجل اللي كان بيحلم يكونه؛ بدل شيك، اجتماعات في ناطحات سحاب، وحسابات في البنوك أرقامها مبيشللهاش خيال. النجاح كان لغته، وقبل ما حد يرد، سمع منصور صوت تزييق باب في ظهر البيت.. خطوات.. بطيئة.. وتقيلة..
منصور لَف.. والدم اتجمد في عروقه. لأن اللي شافه كان.. "صبري" أخوه الصغير، لابس ساعة ذهب وفي إيده مفتاح عربية مرسيدس!والفلوس كانت باسبور دخوله لأي مكان.
كان دايماً بيتخيل رجوعه لمصر هيكون عامل إزاي.. زفة في الحارة، وكلام الناس عنه بإعجاب. كان بيتخيل أبوه وأمه وهما عايشين في فيلا ومرتاحين بفضل كل قرش كان بيبعته بانتظام شهر ورا شهر.
لكن الرجوع مكنش احتفال.. ده كان كابوس.
الشنطة الجلد الغالية وقعت من إيده أول ما خطى عتبة البيت القديم، اللي لولا العنوان مكنش عرفه. الحيطان كانت مشققة زي جروح قديمة، والسقف اللي متغطي بصاج مصدي كان بيسرب ريح
وعلى كنبة مكسورة في الصالة.. كانوا هناك. أبوه وأمه. نايمين وهما واخدين بعض كأن البرد هياكل جسمهم الضعيف. أجسامهم بدت منحنية وصغيرة أوي عن اللي كان فاكره. مكنش مغطيهم غير بطانية قديمة ومقطعة كانت في يوم من الأيام غطا.
وبينهم طفلة صغيرة، نايمة في وسطهم بتدور على الدفا.
منصور كان لابس بالطو أسود فخم، كان لونه بيلمع وسط السواد والبؤس اللي في البيت، كأنه سخرية من القدر. مكنش بيرتعش من البرد اللي داخل من شقوق الحيطة، كان بيرتعش من حاجة تانية خالص.. من ذنب، ومن حيرة، وخوف ملوش اسم.
"يا رب.. إيه اللي أنا شايفه ده؟" تمتم بصوت مخنوق ومكسور.
الطفلة كانت أول واحدة صحيت. عندها 8 سنين تقريباً، شعرها منكوش ووشها باهت، وعينيها الواسعة برقت لما شافت الراجل الأنيق اللي واقف عند الباب. "جدو.." همست وهي بتهزه براحة.
فتح والده عينيه ببطء.. رمش كذا مرة، ولما عرفه، مكنش الذهول فيه فرحة صافية، كان ممزوج بكسرة وخجل يوجع القلب. "منصور؟" قالها وهو مش مصدق.
منصور قرب خطوة، وصوت جزمته اللامعة كان ليه رنة غريبة على البلاط القديم المكسر. بص حواليه.. وابور جاز مطفي، حلة فاضية، أطباق مكسورة مركونة في زاوية. مفيش حاجة منطقية! 15 سنة بيبعت فلوس.. مبالغ كبيرة، أكتر من كافية تخليهم يعيشوا في قصر!
"
أمه نزلت رأسها في الأرض، وإيديها كانت بتترعش.. أما الطفلة فكانت بتبص لهم بسكات، كأنها حاسة إن فيه سر كبير وخطير هيتكشف دلوقتي.
اللي خرج من الضلمة مكنش غريب.. كان الشخص اللي منصور وثق فيه ثقة عمياء، الشخص اللي سلمه مفاتيح حياته وهو مطمن لأنه "لحمه ودمه".
لما الخيال قرب من النور، ملامحه وضحت تماماً.. كان صبري. صبري، أخوه الصغير اللي منصور ساب له توكيل رسمي عشان يدير شؤون أبوه وأمه لما قرر يستقر بره. الأخ اللي حلف ميت يمين إنه هيشيلهم في عينيه ويصون الأمانة.
لكن نظرة صبري مكنتش صافية زي زمان، كانت عينه قاسية، وفيها لؤم وتحدي.. لابس ساعة ذهب في إيده ومفتاح المرسيدس بيلمع. بص لمنصور وابتسم ابتسامة صفرا وقال ببرود:
يا محاسن الصدف! الابن المغترب قرر يرجع أخيراً؟
منصور حس إن فيه حاجة جواه اتكسرت ميت حتة، بص له بذهول وقال وهو بيوزن كل كلمة:
إنت بتعمل إيه هنا يا صبري؟ وإيه اللي وصل أهلي للحالة دي وإنت راكب أفخم عربية؟
صبري قرب بخطوات واثقة ورد باستفزاز:
بخلي بالي من اللي إنت رميته وسافرت.. بشوف مصالحهم يا منصور.
الهواء في الأوضة بقى تقيل ويخنق.. منصور صرخ فيه:
أنا كنت
صبري ضحك ضحكة جافة وناشفة:
الفلوس مابتدومش يا أخويا، والدنيا غليت والمصاريف كترت.
منصور قرب منه أكتر وعينه بتطلع شرار:
التحويلات كانت منتظمة.. وكبيرة.. وبقالها 15 سنة منقطعتش يوم!
سكوت أبوه وأمه في اللحظة دي كان أصعب من أي كلام.. منصور لف لأبوه وسأله بلهفة:
يا أبويا.. انطق.. الفلوس كانت بتوصلكم؟
أبوه سكت شوية، كأن الاعتراف بالحقيقة محتاج قوة مابقتش في جسمه الضعيف، وقال بصوت مهزوز:
صبري كان بيقولنا إن المبلغ ساعات بيوصل ناقص.. وإن شركتك بره بتقع وعندك مشاكل.. وإنك مش عاوز تقلقنا عليك عشان كدة مابتكلمناش كتير.
الكلمات دي نزلت على دماغ منصور كأنها هدمت 15 سنة من راحة البال المزيفة. الخيانة مكنتش مجرد كلام، دي كانت سكاكين باردة بتقطع في صدره. افتكر كل تحويل بعته باليوم والساعة.
خدت كام لنفسك يا صبري؟ سأل منصور وهو باصص في عين أخوه مباشرة. صبري ربع إيده ببرود وقال:
أنا كنت باخد حق تعبي ومجهودي.. أنا اللي كنت شايل شيلتهم وإنت بتجمع ملايين بره.
منصور الغضب عِمي عينه وصرخ:
مجهود إيه؟ ده إنت سبتهم في البرد والجوع! ده إنت سرقت شقا عمري ولقمة عيشهم عشان تركب مرسيدس!
في اللحظة دي الطفلة بدأت تعيط بصوت واطي.. منصور بصلها بتركيز
ومين البنت دي يا أمي؟
أمه ردت بدموع مغرقة وشها:
دي بنت أخوك.. بنت حسن أخوك الصغير.
منصور حس إن الزمن وقف بيه:
إيه؟ حسن فين؟
أمه بلعت ريقها بصعوبة وقالت: