شقى العمر وبر الوالدين بقلم نرمين همام

لمحة نيوز

حسن مات من 4 سنين في حادثة.. مرضناش نقولك.. صبري قالنا إنك عندك صفقة كبيرة ولو عرفت الخبر شغلك هيبوظ وتنهار.

منصور حس إنه بيختنق.. صبري مكنش بيسرق فلوس بس.. ده سرق منه لحظة وداع أخوه حسن، وسرق منه اليتيمة دي اللي سابها في الفقر.. بص لـ صبري وقال بصوت مرعب:

إنت مكنتش بتسرقني أنا.. إنت كنت بتسرق ناس ميتين وناس بتموت.. والنهاردة يا صبري، الـ 15 سنة دول هيدفعوك تمنهم غالي أوي.

في اللحظة دي، منصور حس إن الحيطان بتضيق عليه، وإن الهواء مابقاش مكفيه. بص لـ صبري بهدوء مرعب، هدوء يسبق العاصفة، وقال بكلمة واحدة:

اخرج برا البيت ده.. دلوقتي.

صبري شد فكه وبان عليه إنه هيقاوم، وقال بتبجح:

مش هتقدر تثبت حاجة، القانون مبيحميش المغفلين يا منصور.

منصور طلع موبايله ببطء وثبات، وبص له بحدة وقال:

أنا أقدر أثبت كل شيء.. وبسهولة.

منصور مكنش بيتكلم من فراغ، هو رجل أعمال ناجح وبيعرف قيمة الأرقام. طول سنين الغربة مكنش بيعتمد على "الكلمة"، كان بيؤمن إن الثقة لازم تتوثق. كل تحويل بعته محفوظ بنسخة ورقية ورقمية، وكل مليم خرج من حسابه متأرشف.

بدأ يعرض قدام أبوه وأمه كشوف الحسابات.. التواريخ.. المبالغ.. الملايين اللي اتبعتت وما انقطعتش شهر واحد. صبري كان بيحول الأموال لحسابات خاصة وبطرق ملتوية، اشترى أراضي وعربيات وبيوت باسمه، وعاش حياة ملوكي وساب أصحاب الفلوس في الفقر.

صبري خرج من البيت تحت نظرات أبوه وأمه التقيلة، بس الحساب مخلصش. الأسابيع اللي بعدها كانت إعصار؛ منصور استدعى أكبر مكتب محاماة ومحاسبين قانونيين، وبدأ فريق كامل يتتبع التحويلات ويحاصر صبري في كل مكان. صبري حاول

يهدده، وبعدين حاول يستعطفه ويقول أنا كنت محتاج، وبعدها عرض يرجع جزء من الفلوس مقابل التنازل.. بس منصور كان قلبه حجر، وقال له:

المال يتعوض، بس غدرك لأهلي ودموع بنت أخويا مالهمش تمن.

اتحجز على كل ممتلكات صبري، وحساباته اتجمدت، وبدأت إجراءات رد المظالم لأصحابها. بس بالنسبة لـ منصور، الخسارة الكبيرة مكنتش فلوس.. كانت في قلبه اللي محتاج يتبني من جديد.

منصور قرر يقعد في الحارة. ألغى عقود بمليارات واعتذر عن شراكات عالمية، وسلم إدارة شركاته لشركاء يثق فيهم، وقرر إنه مش هيدير عيلته من ورا شاشة موبايل تاني. هو مش عاوز يكون "صوت عابر"، هو عاوز يكون "سند حاضر".

بدأ يهد البيت القديم المتهالك، وبناه من أول وجديد، بس مكنش عاوز "قصر" يستعرض بيه ثروته، كان عاوز "بيت دافي" يشيل أهله. كان بيقعد مع العمال ويخطط معاهم، ويقولهم: الأساس أهم من الدهانات، وكأنه بيتكلم عن حياته.

عمل جدران متينة، وسقف عازل يحميهم من شتا السنين اللي فات، ونوافذ واسعة تدخل الشمس والرضا للبيت. بنى لأمه مطبخ واسع فيه كل اللي كانت بتحلم بيه، وزرع شجرتين ليمون قدام الباب وقال لها بابتسامة:

لما يطرحوا يا ست الكل، هنعمل أحلى شربات ليمون ونشربه سوا.

خد أبوه لأكبر دكاترة في مصر، وقعد في غرف الانتظار الطويلة زي أي ابن بار، بيمسك إيد أبوه وهو حاسس بالتقصير، وبدأ رحلة علاج لكل الأمراض اللي صبري أهملها. أما أمه، فكان بيقعد معاها بالساعات في المطبخ، يسمع منها حكاوي الـ 15 سنة اللي غابهم. سمع عن ليالي الوجع، وعن جيرانهم اللي كانوا بيصعبوا عليهم، وعن لحظة موت أخوه حسن وبكاء بنته اليتيمة في البرد.

سجل بنت أخوه في أحسن

مدرسة، واشترى لها لبس وكتب تفوح منها ريحة الفرحة، وكان بيوصلها بنفسه كل يوم ويمسك إيدها الصغيرة.. وكأنه بيعوضها عن سنين اليتم اللي عاشتها وهي "بنت الغريب" في بيت عمها.

منصور اتعلم إن الفلوس ممكن تشتري أي حاجة، إلا "الوقت" و"اللحظة" اللي بتضيع مع الناس اللي بنحبهم. والبيت اللي بناه مكنش مجرد طوب وأسمنت،، ودرس لكل واحد فاكر إن الغربة والفلوس أهم من لقمة هنية وسط 

كان منصور بيوصل بنت أخوه المدرسة كل يوم، يمسك إيدها الصغيرة وكأنه بيعوض سنين الغياب. كانت بتبص له بفخر قدام زميلاتها وتقول بصوت واطي بس كله ثقة: "ده عمي".

بدأ يشاركها واجباتها، يقرأ معاها قصص، يشرح لها مسائل الحساب بصبر رجل أعمال متعود على لغة الأرقام، بس المرة دي كان بيتعلم معنى "الأرقام" في عيون طفلة محتاجة أمان.

وفي المساء، كانوا بيتجمعوا على العشاء. مائدة بسيطة بس مليانة دفا.. عيش سخن طالع من الفرن، ريحة قهوة بتملى البيت، أطباق متواضعة بس معمولة بحب. الضحكة بدأت ترجع للبيت ببطء، كانت مترددة في الأول كأنها خايفة من حزن جديد، وبعدين بدأت تعلى وتملى المكان صدق وطمأنينة.

منصور اتعلم يزرع شجرة في الجنينة ويستنى نتيجتها بصبر. اتعلم يصلح إكرة باب بإيده بدل ما يكلم شركة صيانة دولية. اتعلم يقعد من غير موبايل ساعات طويلة، يبص للسما أو يسمع صوت الهوا بين الشجر. اكتشف إن السكون هنا مختلف.. ملوش علاقة بصمت المكاتب الفاخرة، ده سكون شايل جواه "راحة بال".

أهل الحارة بدأوا يبصوا له مش كـ "الرجل الغني اللي رجع"، لكن كـ "الابن اللي عاد لأصله". مبقاش يهمه كلام الناس ولا الإشاعات، كان بيكفيه إنه يشوف أبوه وأمه ماشيين

في السوق وراسهم مرفوعة لفوق.

وفي يوم، والشمس بتميل للغروب وبترسم في السما لون برتقالي هادي، قعدت بنت أخوه جنبه على عتبة البيت. قفلت كراستها فجأة وسألته ببراءة: "يا عمو.. إنت هتمشي تاني وتسيبنا؟"

بص لها منصور كتير.. شاف في عينيها خوف صغير، خوف من إن وجوده يكون مؤقت زي زيارات الناس الغريبة. شاف في سؤالها رجاء بالبقاء مش مجرد فضول. فكر في ناطحات السحاب اللي مستنياه، في العقود اللي بالمليارات، في الاجتماعات اللي مابتخلصش، في الأرقام اللي كان بيجري وراها كأنها الهدف الوحيد من الحياة.

ثم نظر إلى المائدة اللي عليها العيش السخن والقهوة، وإلى والديه اللي قاعدين في هدوء مشافهوش من سنين، وإلى الشجرتين الصغيرين اللي بدأوا يكبروا في الجنينة.

رد بهدوء: "مش زي زمان يا حبيبتي.. أنا فهمت حاجة دلوقتي."

"فهمت إيه؟" سألت الطفلة وهي بتقرب منه أكتر.

ابتسم وعينه لمعت بدموع مبقاش يتكسف منها: "فهمت إن النجاح ملوش قيمة لو مقدرتش تحضن اللي بتحبهم وهما محتاجينك. الفلوس بتروح وتيجي، والبيوت ممكن تتبني تاني.. لكن اللحظات اللي بتضيع من العمر مابتتعوضش."

سكت شوية وكمل بصوت واطي كأنه بيعترف لنفسه: "كنت فاكر إني ببني إمبراطورية هناك، لكن اكتشفت إني كنت بضحي بأهم إمبراطورية هنا.. إمبراطورية مابتتحسبش بالأرباح، بتتحسب بالحب وبالوجود، وبالإيد اللي بتمسك إيدك وقت الشدة."

مدت الطفلة إيدها الصغيرة وأمسكت بيده بقوة، وكأنها بتوثق العهد بينهم. الإمبراطورية اللي بناها بره لسه موجودة، بتديرها عقود وأرقام وشركاء وممكن تعيش سنين.. لكن الإمبراطورية الحقيقية اللي كان هيخسرها كانت هنا؛ بين حيطان البيت اللي

بقى دافي، وبين ضحكات رجعت بعد غياب، وبين قلوب اتعلمت إن الغيبة ممكن تتغفر.. بس "الحضور" هو اللي بيصنع الحياة ويحفظها.

نرمين عادل همام

تمت

تم نسخ الرابط