الابن الذي عاد بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
الابن الذي عاد بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
في صباحات بتبان عادية جداً، بس بتكون هي الباب اللي بيغير حياتنا للأبد. سلوى مصطفى.. ست في التلاتينات، عايشة في شقة بسيطة على أطراف "شبرا" مع جوزها وابنها. لسه فاكرة الصبح ده بكل تفاصيله.. جوزها رفعت أحمد خرج وهو ماسك إيد ابنهم ياسين (٦ سنين)، وبص لها وقال بابتسامة هادية: "هوصل الواد المدرسة، وأعدي على موقع الإنشاءات أشوف الشغل، وهرجع على الظهر يا حبيبتي."
ياسين، الولد الشقي اللي ضحكته بتملا البيت، كان عمال ينط ورافع إيده بيشاور لمامته وهو لابس شنطته الزرقاء. الباب اتقفل، وصوت مكنة "رفعت" القديمة بدأ يختفي بالتدريج في الزحمة. سلوى دخلت المطبخ تجهز الفطار، وعقلها بيفكر في شغلها في المكتبة.. مجرد صباح عادي.
بس الظهر جه.. ورفعت مرجعش. العصر أذن.. ولسه مفيش أثر. قلقها بدأ يزيد، لحد ما مدرسة الفصل كلمتها: "يا ست سلوى، ياسين مجاش المدرسة النهاردة.. خير؟" سلوى حست إن تلج نزل على جسمه. اتصلت برفعت.. الموبايل مقفول وقتها الموبايلات كانت في بدايتها بزراير ولافيه نت ولاحاجة . جربت مية مرة..
نزلت تجري في الشوارع، تسأل الجيران، تسأل السواقين.. محدش شافهم. بالليل، الناس لقت المكنة بتاعته مركونة على جنب الطريق، والمفاتيح لسه فيها، بس رفعت وياسين ملهومش أي أثر. الأرض انشقت وبلعتهم. الشرطة دورت، والأهل قلبوا الدنيا، والصحف نشرت صورهم.. ومفيش فايدة. الناس بدأت تطلّع إشاعات: "تلاقيه هرب بالواد عشان الديون." "ممكن يكون سافر ومحبش يقول." بس سلوى مكنتش بتصدق.. رفعت راجل غلبان، بيشقى كعامل بناء عشان خاطرهم، وكان بيعشق ياسين أكتر من روحه.
عشر سنين عدوا. سلوى اتعلمت تعيش مع الفراغ. كل ما تشوف طفل في الشارع بينادي "ماما"، قلبها يتنفض وتفتكر ابنها اللي كان زمانه دلوقت شاب. مكنش عندها أمل.. لحد ما في يوم مطر في القاهرة، رجعت من السوق لقت ظرف أصفر محطوط على الترابيزة اللي جنب الباب، ومكتوب عليه كلمتين: "لسلوى".
إيدها كانت بترتعش وهي بتفتح الظرف. شمت ريحة الورق القديم.. وشافت خط إيد رفعت. "سلوى.. لو قريتي الكلام ده، يبقى الأوان فات. أنا آسف إني خدت ابننا ومنعتك عنه السنين دي كلها من غير ما أقولك. أنا مهربتش.. ولا خنتك. أنا عملت كدة.. عشان.."
الورقة اتهزت في إيدها. خط رفعت اللي تعرفه
سلوى اتصدمت.. أنقذ حياته؟ إزاي؟ كملت قراءة بلهفة ووجع: "في الصبح ده، بعد ما مشينا من قدامك، لقيت راجل كان مستنينا جنب المدرسة. راجل كنت بتمنى من قلبي إنه ميرجعش أبداً. راجل ليه علاقة بديون قديمة من سنين.. ديون خبيتها عليكي عشان مشيلكيش الهم."
فتحت بوقها بذهول.. رفعت الحنين اللي كان بيجيبلها ورد وهو راجع من الشغل.. مديون؟ ومهدد؟ "قالي إن الدين مخلصش، وإن الفوايد كبرت.. والنهاردة عاوزين تمن غالي. كانوا عاوزين ياسين."
الورقة وقعت من إيد سلوى على الأرض. صرخت بصوت مكتوم: "لأ.. يا رب لأ.." جابت الورقة التانية بسرعة: "قالوا إن طفل زي ده، ذكي وشكله حلو، ممكن يتباع.. يتشغل في حاجات تكسر القلب. اترجيتهم.. عيطت.. بوست إيديهم في نص الشارع. ضحكوا وقالي قدامك حل من اتنين: يا تسلمنا الواد برضاك.. يا هنخطفه ونموتك. البرق نور في السما، وسلوى كانت بتشهق من الرعب وهي بتقرأ: "عشان كدة خدته وهربت. خبيته في مكان بعيد. مقدرتش أقولك، عشان لو راقبوكي وشافوكي بتدوري، كانوا هيوصلوا
همست في الصالة الفاضية: "ليه يا رفعت.. ليه مقتليش ونموت سوا؟" الرسالة كملت ردت عليها: "وعدتك إني مش هكدب عليكي، بس دي المرة الوحيدة اللي اضطررت فيها لكدة. هربت لقرية في الصعيد عند ضابط قديم كان صاحبي، وعشت هناك مستخبي. كنت خايف يراقبوكي طول السنين دي.. بس الأسبوع اللي فات عرفت إن الراجل اللي هددنا مات في السجن."
سلوى برقت.. مات؟ طب ليه رفعت مرجعش؟ مسكت آخر صفحة: "سلوى.. أنا تعبان، الرئة عندي بتخلص. الدكتور قالي خلاص أيامي معدودة. على ما الرسالة دي توصلك، ممكن أكون مش موجود. بس ياسين.. ياسين عايش. ياسين في أمان.. ومستنيكي. أرجوكي.. روحي للمكان اللي مكتوب تحت ده. الناس هناك هيوصلوكي ليه. سامحيني يا سلوى على عشر سنين قضيتيهم في عذاب لوحدك. أنا عملت كل ده.. عشان بحبكم أكتر من حياتي."
سلوى مقدرتش تمسك نفسها، انحنت وحضنت الورق لصدرها وهي بتشهق بعياط يقطع القلب. عشر سنين من الفراغ.. عشر سنين من الأسئلة اللي ملهاش رد. رفعت مبعهاش.. رفعت أنقذ ابنهم، حتى لو التمن كان حياته وعمره بعيد عنها.
مسحت دموعها بسرعة، لفت شالها، وحطت الرسالة في صدرها، وجريت على