الابن الذي عاد بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
سافرت ساعات.. عديت على طرق زراعية، وقرى صغيرة، لحد ما وصلت لقرية بعيدة في حضن الجبل. الستات كانت بتبص لها باستغراب، والأطفال بيتفرجوا عليها كأنها غريبة. قرب منها راجل عجوز، لابس جلابية بيضاء، وصوته هادي وكأنه عارفها: "إنتي.. الست سلوى؟"
سلوى هزت راسها بتوتر وصوتها مخنوق: "أنا جيت عشان..." الراجل العجوز قطع كلامها وابتسم بهدوء: "عارف.. تعالي معايا."
مشي قدامها في ممر ضيق لحد ما وصلوا لمبنى مدرسة قديم، لونه أزرق ومقشر من الشمس. وهناك، على دكة خشب تحت شجرة كبيرة، كان فيه شاب قاعد بيقرأ في كتاب.
في اللحظة دي، قلب سلوى وقف.. العالم كله هدي.. كأن الزمن اتجمد. الشاب ده.. شعره بقى أطول، ملامحه كبرت وبقت ملامح راجل، بس العيون هي هي.. نفس العيون اللامعة اللي كانت بتودعها من عشر سنين.
"ياسين..."
الاسم خرج منها كأنه صلاة، كأنه وجع سنين انفجر مرة واحدة. الشاب رفع عينه، واتسمر في مكانه. الكتاب وقع من إيده على الأرض، وصدره بقى يعلو ويهبط كأنه مش قادر ياخد نفسه من الصدمة.
همس بصوت مرتعش: "مـ.. ماما؟"
سلوى رجليها مكنتش شايلاها، بس بطريقة ما جريت عليه.. كانت بتتعثر وبتبكي بهستيريا، كأن
العالم كله اختفى.. مفيش قرية، مفيش ناس، مفيش غُربة. مفيش غير صوت دقات قلب ابنها وهي ساندة راسها على صدره. صرخت بكل الوجع اللي حبسته عشر سنين، نحيب يقطع القلب، وياسين صوته انكسر وهو بيهمس في ودنها: "أنا استنيت كتير يا ماما.. في كل عيد ميلاد.. في كل ليلة.. كنت بستناكي وعارف إنك هتيجي."
فضلت حاضناه، بتبوس راسه، وشعره، وماسكة فيه كأنها خايفة يختفي تاني. "يا ابني.. يا نور عيني.. سامحني يا حبيبي.. سامحني."
فضلوا كدة دقايق، لحد ما الراجل العجوز قرب منهم ونحنح بهدوء: "فيه حاجة تانية يا بنتي.. جوزك رفعت.." سلوى نفسها اتقطع وسألته بخوف: "هو.. هو لسه..؟" الراجل هز راسه بحزن: "توفى الأسبوع اللي فات.. بس كان موصي إن الرسالة دي توصلك فوراً قبل ما يقابل وجه كريم."
دموع سلوى نزلت بمرارة، بس كان معاها إحساس بالامتنان. رفعت مات وحيد، بس مات بطل.. أنقذ ابنه، وحماها هي كمان، وضحى بكل عمره عشانهم.
مسحت دموعها وخدت نفس عميق: "ممكن أشوفه؟ ممكن أعرف هو فين؟" الراجل العجوز شاور لها على تل صغير ورا المدرسة. قبر بسيط، حواليه شوية
"يا رفعت.. الأمانة وصلت.. وابنك في حضني. نام وارتاح يا حبيبي.. حقك عندي، وعمرك اللي ضاع مش هينساه ياسين أبدأ. إنت عشت راجل.. ومت بطل."
"رجّعتهولي يا رفعت.. وفيت بوعدك وزيادة. أنا مسامحاك يا حبيبي.. مسامحاك من كل قلبي."
وقف ياسين جنبها، وحط إيده فوق إيدها اللي ساندة على القبر. فضلوا واقفين لحد ما الشمس بدأت تغيب ولون السما بقى برتقالي دافي.
في الليلة دي، الراجل العجوز طلع ظرف تاني خالص. "رفعت ساب ده كمان.. عشان المستقبل." سلوى ترددت قبل ما تفتحه، بس لما فتحته، شافت ورق رسمي، مختوم، وقانوني. اتسمرت في مكانها.. مكنتش مصدقة. حساب ادخار.. وبوليصة تأمين.. ومبلغ محترم متشال في البنك. كل ده رفعت بدأه من عشر سنين.. والفلوس كبرت لدرجة إن سلوى مكنتش قادرة تنطق الرقم.
رفعت منقذش ابنهم وبس.. ده بنالهم حياة جديدة تماماً. مستقبل.. وفرصة تانية تليق بيهم. الراجل العجوز ابتسم وقالها: "في الأول اشتغل هنا في البناء والعمالة، وبعدين اتعلم النجارة وبقى أسطى كبير.
سلوى ضمت الظرف لصدرها وهي مستوعبة الحقيقة كاملة.. رفعت ماماتش وهو بيهرب، رفعت مات وهو بيحارب عشانهم لآخر نفس.
مرت أسابيع.. والقرية كلها احتضنت سلوى وياسين كأنهم أهلهم. ياسين بدأ يزهر من جديد.. بقى يضحك، ويذاكر، ويوريها رسوماته، ويحكي لها قصص الجبل والصعيد. أما سلوى.. لقت الحاجة اللي كانت فاكرة إنها ضاعت منها للأبد: السلام النفسي.
في صباح هادي، وقفت مع ابنها على التل وهما بيتفرجوا على شروق الشمس. ياسين ساند راسه عليها وقال بهدوء: "ماما.. إحنا هنفضل هنا؟"
سلوى بصت للجبل، وللسما، وللقرية اللي بدأت تصحى تحتهم.. وبعدين بصت لابنها، الدليل الحي على إن حب رفعت انتصر في الآخر. بست راسه وهمست: "أيوة يا حبيبي.. هنفضل هنا. هنا المكان اللي أبوك حمانا فيه.. وهنا المكان اللي هنبدأ فيه من جديد."
ياسين ابتسم.. ابتسامة كانت شبه ابتسامة رفعت لدرجة وجعت قلب سلوى بجمالها. ومشيوا سوا، إيدهم في إيد بعض، نازلين من على التل ناحية حياتهم الجديدة. مش
بقلمي نرمين عادل همام
تمت