كاملة
زيارة العيد وصدمتي في ابني بقلمي نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
زيارة العيد وصدمتي في ابني
بقلمي نرمين عادل همام
وحنا بنتغدا في اول يوم في عيد الفطر والسفرة عليها رنجة اشترتها كان نفسي فيها لاقيت ابني معاه ظرف رمه الظرف وقع جنب طبق الرنجة وصوت خبطته كان زي حكم إعدام. مكنش صوت عالي، بس كان فيه نهاية لكل حاجة. الورقة اللي لونها كريمي لقطت ضوء النجفة وهي بتتزحلق على سفرة بتاعتي، واستقرت بالظبط فوق طبق البتي فور اللي جارتي لسه بعتاه.. وابني هاني قعد على كرسيه وبص لي بنظرة برود خلت جسمي يقشعر.
أنا اسمي احمد إبراهيم الشاذلي.. عندي 72 سنة، مهندس مدني بالمعاش، قضيت 35 سنة من عمري ببني كباري ومنشآت في هيئة الطرق والكباري. كنت قاعد على رأس السفرة في أول يوم عيد الفطر، في بيتي اللي في مصر الجديدة، لما ابني حاول يسرق شقا عمري.
قدامي كان قاعد هاني، ابني اللي عنده 41 سنة، لابس بدلة سعرها أغلى من ذمته. شعره ملموم لورا، وابتسامته فيها نفس الثقة الباردة اللي كانت في عينيه يوم ما طلب مني أمضي له ضامن في قرض، وكنت عارف وقتها إنه مش هيسدده. وجنبه كانت قاعدة نسرين مراته، اللي متجوزها من 9 سنين، كانت شغالة في تسويق العقارات الفاخرة، ذوقها عالي في المصاريف بس قلبها حجر، وابتسامتها بتبين القسوة كأنها إتيكيت.
سفرة العيد كانت لسه بخيرها.. ريحة الرنجة والفسيخ المتنظف بالليمون والزيت كانت مالية المكان، وجنبهم أطباق الكحك والبتي فور والغريبة اللي ريحة السمن البلدي فيها تجنن. قضيت ساعات بجهز في الأكلة دي، زي ما ليلى مراتي الله يرحمها علمتني. ابني بيبص لي بصبر واحد ضامن إنه كسب خلاص بقلمي نرمين عادل همام
عمرك شفت حد ربيته وكبّرته، وهو بيبصلك وبيحسب قيمتك بال متر المربع؟
مديت إيدي وأخدت الظرف. الورقة كانت تقيلة وغالية، من النوع اللي المحامين بيستخدموه عشان يحسسوك بتقل اللي جاي قبل ما تقرأه. فتحت الختم وطلعت الورقة اللي جوه. إشعار بالإخلاء.. 48 ساعة.
الكلمات كانت بتجري قدام عيني. قريتها مرة، واتنين، وتلاتة.. لأني أكيد فاهم غلط! مش ممكن ابني يكون جاي من الشيخ زايد مخصوص في أول يوم العيد عشان يديني إشعار طرد من بيتي!
48 ساعة يا بابا. صوت هاني كان هادي، كأنه بيقرأ تقرير شغل. ده المدة القانونية للإشعار. أنا حبيت إنك تسمعها من العيلة، مش من محضر في المحكمة.. عشان كرامتك بس بقلمي نرمين عادل همام
كرامة! الكلمة فضلت متعلقة في الجو زي ريحة دخان حريق.
إحنا مش عايزين نأذيك يا
تنتقل! هي دي الكلمة اللي الناس بتستخدمها لما يحبوا يسرقوا منك حاجة، بس محتاجين يبينوا إنهم بيعملوا فيك جميل.
بصيت حواليا في أوضة السفرة. التربيزة الماهوجني اللي قاعد عليها دي كانت بتاعة أبويا، أنا اللي صنفرتها ودهنتها بإيدي سنة 87 لحد ما رجعت تلمع زي المراية. الأرضية الباركيه اللي تحت رجلي دي، قضيت تلات صيفيات وأنا على ركبي برمم فيها بعد ما ماسورة مية ضربت في شتا 2003. الأوضة اللي ورا، التراس اللي كانت ليلى بتقعد تقرأ فيه رواياتها، أنا اللي بانيته طوبة طوبة سنة 95. أنا اللي صبيت الخرسانة يوم سبت، وهاني كان لسه عيل عنده 11 سنة، كان بيناولني العدة وبيسألني ليه يا بابا الأسمنت بياخد وقت عشان ينشف؟بقلمي نرمين عادل همام
دلوقتي الأسمنت نشف يا هاني.. والقلوب كمان نشفت.
خليني أقولك حاجة عن الندالة لما بتيجي من القريب.. مابتجيش بصويت وزعيق، بتيجي بابتسامة صفرا، وطبق رنجة متنظف، وسؤال ناعم عن صحتك وخسيت ليه. بتقعد على سفرتك، وتاكل لقمة هنية معاهم، وهما مستنيين اللحظة اللي يحدفوا فيها الظرف على الخشب ويقنعوك إن سرقة شقا عمرك دي في مصلحتك أنت!
ده بيتي، قولت والكلمة طالعة من حنجرتي أصلب مما كنت متخيل. أنا اللي باني التراس ده طوبة طوبة، وأنا اللي مصلح الأرضية الباركيه دي بضوافري.
وإحنا مقدرين ده يا بابا، هاني هز رأسه كأنه مدير بنك بيوافق على قرض لعميل غريب. بس البيت ده محتاج حد يقدر يصرف عليه، حد عنده موارد يخلي العيلة واجهتها مشرفة بقلمي نرمين عادل همام
واجهة مشرفة! كأني كنت معرّهم لمدة 40 سنة. كأن البيت اللي شال تلات أجيال من عيلة الشاذلي بقى فاشل لمجرد إن راجل عنده 72 سنة عايش فيه لوحده.
النجفة اللي فوقينا، اللي ليلى الله يرحمها نقتها بالواحدة من محل أنتيكات في وسط البلد سنة 89، كانت رامية ضوء دافي على السفرة.. ضوء كشف الرنجة اللي ملمستش، وإشعار الطرد اللي في إيدي، ووش ابني ومراته اللي ضربوا مشوار تلات ساعات عشان يغدروا بيا في العيد، عشان عارفين إني عمري ما هقفل بابي في وشهم.
48 ساعة.. ده تمن 40 سنة من التعب عشان أبني بيت لابني. يومين اتنين. حطيت الورقة على السفرة. إيدي مكنتش بترتعش، واستغربت من نفسي.. كنت فاكر إني هنهار.
جيت في أول يوم العيد، قولت ببطء، عشان عارف إني هدخلك. ابتسامة هاني اتهزت ثانية، شفت وراها الحسابات
لأ. هزيت رأسي. جيت في العيد عشان لو بعت لي محضر كنت هاخد وقتي أفكر، وأكلم محامي، وأحارب. أنت جيت قعدت على سفري، وكلت لقمتي، واديتني الورقة دي عشان تباغتني وأنا لوحدي ومصدوم، فأمضي على أي ورقة تطلعها لي.
السكوت ساد في الأوضة. حتى ساعة الحائط القديمة حست بالوجع وسكتت. نسرين طوت المنديل بتاعها ببرود، وبصت لي بابتسامة فيها سر لسه مظهرش.
مدت إيدها تحت الكرسي وطلعت ملف.. مجلد تخين ورق، خلى ورقة الطرد تبدو كأنها ورقة كوتشينة.
أستاذ إبراهيم، قالت بنعومة أفاعي، كنا نتمنى الموضوع ميوصلش لكده، بس بما إنك عايز تصعبها، يمكن لازم تشوف إحنا جايبين إيه معانا كمان.
فتحت الملف ببطء مستفز، وهاني طلع تابلت غالي أوي، ووجهه ناحيتي بثقة واحد كسب القضية خلاص.
أنت مضيت على ده الشهر اللي فات يا بابا. صوت هاني كان صبور، لدرجة تقرف. يوم 14 يناير بالظبط.. في يوم من أيامك اللي كنت فايق فيها. ونسرين كانت شاهدة.
بحلق في الشاشة. عقد تنازل عن ملكية كامل وشامل، مليان مصطلحات قانونية تغرّق بلد. وفي الآخر.. إمضتي! والشرطة اللي في آخر اسمي.. كانت نسخة مني.
كانت أنا.. بس مكنتش أنا!
أنا ممضيتش على حاجة. صوتي طلع ضعيف. أنا مستحيل أنسى يوم ما اتنازل عن بيتي.
هاني ونسرين بدلوا نظرات مع بعض، نفس النظرة اللي الدكاترة بيبصوها لمريض بيأكد إنه كويس والأجهزة بتقول إنه بيموت.
ما هي دي المشكلة يا بابا، مش كدة؟ هاني مال عليا وحط كوعه على سفرتي أنت مبقتش فاكر.. الدكاترة حذرونا إن ده هيحصل. التوهان.. السقوط من الذاكرة.
عايزك تفهم حاجة.. لما ابنك يبص في عينك ويقولك إنك بتخرف وعقلك راح، في لحظة، ثانية واحدة، بتصدقه! بتسأل نفسك يمكن معاهم حق؟ يمكن مضيت ونسيت؟ يمكن الذاكرة فيها شرخ أكبر مما أتخيل؟
اللحظة دي هي اللي كان هاني مراهن عليها.
إحنا سجلنا لحظة الإمضاء يا بابا، نسرين قالت وصوتها زي المشرط. عشان نحميك.. وعشان ميبقاش فيه أي لبس بعدين.
إيدي بطلت ترتعش. حاجة ساقعة سكنت في عضمي. مكنش خوف، كان إدراك.. إدراك إني وقعت في فخ ناس بقالهم شهور بيبنوه.
وروني التسجيل ده.
فك هاني اتهز هزة بسيطة، بس أنا مربيه وعارف كل حركة في وشه.. شفت ورا عينيه كذبة بتتحضر.
الملف اتمسح.. مشكلة تقنية. صوته كان ثابت بس عينيه مكنتش ثابتة. بس الإمضاء قانوني وده المهم.
يا محاسن الصدف!
حطيت التابلت على السفرة جنب الرنجة اللي بردت، وجنب البتيفور المكسور، وجنب أطلال غدوة العيد.
أخدت التابلت تاني. الإمضاء ده كان جثة خط إيدي. كل لفة، كل ميل، كان أنا من غير ما يكون أنا. زي ما تكون بتبص في مراية موجة وبتشوف صورتك بتتحرك لوحدها. أنا قضيت 35 سنة بمضي على عقود هندسية وتصاريح.. أنا حافظ خطي زي ما الموسيقي حافظ نوتته.
ده مكنش خطي. ده كان خط واحد درس إيدي كويس لدرجة إنه قلد الرعشة اللي بدأت تظهر في الهاء من تلات سنين بسبب التهاب المفاصل.
يا بابا، صوت هاني اتغير، بقى فيه إلحاح أكتر. البيت ده تمنه عدي ال 20مليون جنيه. أنت مش هتقدر تصرف عليه لوحدك. ضرائب عقارية ، صيانة.. أنت بتغرق ورافض تعترف. إحنا بنحاول نساعدك بقلمي نرمين عادل همام
تساعدني؟ بصيت لابني، ورأيت واحد غريب لابس وش هاني. أنت زورت إمضتي.. أنت عملت عقد مزيف. جيت بيتي في العيد عشان تلعب بدماغي وتقنعني إني اتجننت عشان تسرق ورث أبوك. ده مش مساعدة.. ده نصب.
نسرين بدأت تتكلم، بس هاني رفع إيده يسكتها. القناع كان بيقع. شفت اليأس تحت عينه، وشفت طاقة الحيوان المحاصر اللي راهن بكل حاجة وشايفها بتضيع.
أنت كنت تايه يا بابا، صوته بقى أنشف. إحنا معانا العقد.. ومعانا شهود. مفيش محكمة في مصر هتصدق راجل عنده 72 سنة مش فاكر هو مضى على إيه الشهر اللي فات.
مسكتش. عيني راحت تاني لشاشة التابلت، لختم التاريخ اللي منور في زاوية العقد المزور. 14 يناير. التاريخ كان محفور في الشاشة.
14يناير .. لما كنت نايم في العناية المركزة في مستشفى السلام الدولي، والأسلاك محوطة صدري. 14 يناير ، لما الدكتور حاتم عمل لي رسم قلب مجهود قعد 4 ساعات عشان ضغطي مكنش بينزل. 14 يناير ، لما مكنتش أقدر أمضي على فاتورة كهرباء، كان ابني بيزور إمضتي.
رفعت راسي من على التابلت، ولأول مرة من ساعة ما دخلوا، ابتسمت.
وش هاني قلب ألوان. كان مستعد للدموع.. مستعد للغضب.. مستعد لإستسلام راجل عجوز مكسور. لكنه مكنش مستعد إني أفتكر بالملي أنا كنت فين يوم 14 يناير. ومكنش مستعد إن يكون معايا دليل.
أوراق الخروج من المستشفى في مكتبي، ممضية من الدكتور حاتم، وعليها ساعة ودقيقة الخروج والدخول. ابني زور الإمضاء الصح في التاريخ الغلط.
ودلوقتي، وأنا قاعد على سفرة العيد، وحواليا حطام عيلتي، كان عندي حاجة هاني متوقعش إني أملكها.. الأمل.
كنت آمل إن أبويا يكون عارف. وأنا قاعد، وتوقيع هاني المزور بيحرق عيني، فهمت فجأة إن أبويا إبراهيم الكبير كان متوقع ده. الحاج إبراهيم مراقب حفيده هاني وهو بيلف زي النسر بقاله سنين، والراجل
داريت ابتسامتي ورا كوباية الشاي.