كاملة
زيارة العيد وصدمتي في ابني بقلمي نرمين عادل همام
المحتويات
وبعدين خوف حقيقي حاول يداريه ورا قناعه البارد.
أنت بعت الورقة دي لمكتبي يوم 12 نوفمبر، منير شبك إيديه قدامه كأنه أستاذ بيشرح لطالب غبي. قبل الليلة دي بأسبوعين. كنت باعت عقد بيدّعي إن والدك وافق ينقلك ملكية البيت قبل آخر السنة.
أسبوعين! الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. هاني كان بيخطط لده بقاله أسبوعين على الأقل. كمين العيد مكنش لحظة يأس، ده كان ساعة التنفيذ لخطة مدروسة.
ده كان مجرد مشروع عقد مبدئي، صوت هاني بقى ممسوح. مش ملزم. ده كان عقد مزور.
منير طلع ورقة تانية دي مقارنة بين الإمضاءات. إحنا عندنا عينات لإمضاءات والدك من سجلات التركات. إمضته على الورقة دي متمشيش مع أي عينة عندنا.. لا في لفة الحروف، ولا في ضغطة القلم، ولا حتى في النقطة اللي بيحطها تحت حرف الياء.
تعرف يعني إيه تكتشف إن ابنك بيكدب عليك بقاله أسابيع؟ مش كدب صغير.. ده كدب متخطط له بالورقة والقلم عشان يسرق بيتك.
أنت كنت بتخطط لده من أسابيع.. صوتي طلع ثابت، بس إيدي كانت بتترعش. ضغطت بيهم على التربيزة عشان أخبي رعشتي.
هاني منكرش، ولا حتى حاول يبرر. أنا كنت بحاول أحمي العيلة دي بقالي شهور. رفع راسه بتحدي فكرني بأيامه وهو مراهق لما كان بيكدب بخصوص هو سهران فين. لازم حد يفكر في المستقبل.
تحمي العيلة؟ كنت هضحك من القهر. بأنك تزور إمضتي؟ بأنك توهمني إني اتجننت عشان تسرق بيتي؟ بأنك تيجي في العيد تنكد عليا وتطردني؟
هاني حدف الورقة على السفرة.. وقعت جنب طبق البتيفور المكسور، جنب أطلال أول يوم العيد اللي كان المفروض يبقى يوم فرحة.
البيت ده يسوى كام؟ بص لمنير وصوته بقى زي التجار اللي بيحسبوا الخسارة. 20 مليون؟ وأنت بتهددني ب 5 مليون؟
شفت ابني وهو بيحسب الحسبة على سفرتي كأنه جنرال بيحسب عدد القتلى المقبولين في المعركة. خسارة 5 مليون.. مكسب 20مليون.. صافي الربح 15مليون جنيه. بيتي بقى مجرد رقم في صفقة. حياتي اتلخصت في هامش ربح.
أنا ببلغك بالعواقب القانونية، منير قال بجمود. مش أكتر. اعتبرني بلغت. هاني عدل كرافتته الغالية، اللي تمنها أكتر من فواتير النور بتاعتي. أنا هغامر.
نسرين كانت ساكتة طول الوقت، واقفة وراه زي ضله. بس نطقت دلوقتي بنفس النبرة التمثيلية هاني، يمكن لازم نتكلم في الموضوع ده لوحدنا.
مفيش حاجة تتقال. هاني مصلهاش أصلاً. خلي فلوس الصندوق ليهم.. أنا هاخد حقي الحقيقي.
نسرين هزت راسها.. مرة واحدة بس.. ميل بسيط لراسه مكنش حد هياخد باله منه غيري. مرات ابني كانت بتبص لي بابتسامة نصر وهي لسه بتخطط لسرقتي.
هاني بص
أخد نسرين ورزع الباب وراه روعة خلت كريستال النجفة يرن. السكوت رجع تاني، وهوا مارس الساقع دخل من الباب اللي لسه مقفولش كويس، شايل ريحة تراب ووجع لسه جاي.
قعدت مكاني فترة طويلة، باصص للفراغ. منير بدأ يلم ورقه في الشنطة بهدوء، بس وقف ثانية، وإيده لمست حاجة لسه جوه الشنطة.
أستاذ إبراهيم. صوته كان هادي أوي، وحنين. فيه حاجة تانية لازم تعرفها. بصيت له، كنت حاسس بتقل في جسمي كله، تعب وحزن ميتوصفوش. حاجة لقيتها في الإيميلات القديمة بتاعة المدام الله يرحمها.. مراسلات بينها وبين ابنك.
طلع رزمة ورق صغيرة، إيميلات مطبوعة. مردتش أوريك دي قدامه. حسيت إن الدم هرب من وشي. ليلى ماتت من تلات سنين. السرطان أخدها في شهور، وقضيت كل يوم من بعدها وأنا مفتقدها، وبحاول أحافظ على ذكراها في كل ركن في البيت ده. إيه اللي دخلها في اللي بيحصل النهاردة؟
منير حط الورق قدامي أعتقد لازم تقرأ دول.. قبل ما ابنك يرجع بكرة.
منمتش.. مكنش جالي نوم بعد اللي منير فرجهولي. الساعة كانت 2 بالليل، لقيت نفسي واقف في المكتبة بتاعة ليلى، وسط كتبها وسكوتها وخيالها. مراتي ليلى، كانت أستاذة أدب إنجليزي في جامعة القاهرة لمدة 30 سنة.. ست كانت بتعشق القراءة وبتكره التليفزيون، وكنت فاكر إني حافظها وعارفها كويس.
لابتوبها القديم لسه على المكتب زي ما سابته. مكنش عندي قلب أحركه من مكانه. دلوقتي فهمت ليه قلبي كان بيقبضني كل ما أقرب منه.
فتحت الجهاز ودخلت على أرشيف الإيميلات. منير كان قايلي أدور فين. كتبت اسم هاني في البحث وشفت عشر سنين من الرسايل بتظهر قدامي.
أول إيميل كان من 2015بقلمي نرمين عادل همام
أبوك يقصد الخير يا هاني، بس هو مبيفهمش الناس المبدعين اللي زيك. أنت تستحق الدعم، مش المحاضرات. حاولت أتكلم معاه، بس أنت عارف هو ناشف إزاي.. متخليش خيبة أمله فيك تهدك.
نزلت تحت شوية
موضوع القرض ده مش غلطتك. أبوك طول عمره حنبلي في الفلوس. مبيفهمش إن الاستثمارات محتاجة وقت عشان تنجح.. أنا شلت لك قرشين على جنب ليك لوحدك. متقولوش.
وفي 2021، قبل وفاتها بسنتين
متخليهوش يحسسك إنك صغير. البيت ده هيبقى بتاعك في يوم من الأيام.. أنا أمنت الموضوع ده. يمكن جدك بيفضل أبوك دلوقتي، بس الأمور هتتظبط.. ثق فيا.
أنا كنت بحب ليلى.. حبيتها 34 سنة. كنت ماسك إيدها وهي بتموت، والدموع
كانت بتسمم دماغه ضدي من عشر سنين. وعملت كدة وهي بتضحك في وشي وبتقولي يا حبيبي.
مش عارف قعدت قد إيه مكاني.. لحد ما أول خيط نور في الفجر دخل من شباك المكتبة. الشاي برد، والخبط على باب المطبخ اللي ورا فوقني.
كان رأفت، جاري وصاحبي من 15 سنة. راجل لواء شرطة سابق، قضى عمره في المباحث الجنائية وبيفهم في النصب والتدليس. كان مراقب عربية هاني وهي مركونة في آخر الشارع تلات مرات الأسبوع اللي فات، وكلمني مرتين يحذرني. وأنا مسمعتش.
شكلك تعبان أوي يا إبراهيم. دخل ومعاه كوبايتين قهوة ولابتوب. منير كلمني.. قالي إنك محتاج مساعدة.
منير كان وصل المكتب فعلاً، وملفه مفتوح، والورق مفرود. كنت بحلل البيانات اللي على الإمضاء المزور. منير شاور على التابلت اللي هاني سابه. يا رأفت، بص على دي.
رأفت فتح اللابتوب بتاعه، وبدأ يشتغل بخبرة واحد قضى سنين بيطارد المزورين. ده مش شغل هواة يا إبراهيم. صوته كان قلقان. فيه حد استخدم ذكاء اصطناعي عشان يحلل طريقة كتابتك.. الرعشة اللي في حرف الهاء، التباطؤ اللي في آخر اسمك، ضغطة القلم. جمعوا عينات من رسايلك القديمة وعملوا تزييف عميق لخط إيدك.
ابني أجر حد عشان يعمل نسخة مزورة مني.. رأفت بصلني ابنك أجر حد غالي أوي عشان يعمل نسخة طبق الأصل منك. المستوى ده من التزوير محتاج فلوس.. والظاهر إن ابنك معهوش الفلوس دي.
رأفت حط كاميرا صغيرة مخفية ورا برواز صورة أبويا في الصالة. عيني الحاج إبراهيم في الصورة بقت هي العين الرقمية اللي بتراقب البيت.
فكرت الحاج إبراهيم كان هيقول إيه لو شاف ده.. بيته اتحول لمصيدة. وحفيده اتحول لحرامي. بس الحاج إبراهيم كان هيفهم.. هو قضى حياته كلها بيراقب الناس ويستعد للأسوأ.
هذه هي اللحظة التي تنكشف فيها الأقنعة تماماً، حيث لم تعد القضية مجرد خناقة على ميراث، بل تحولت إلى كشف مستنقع من الديون والغدر الذي وصل لدرجة تجميد الدم في العروق.
الكاميرا الأخيرة اتثبتت ورا صورة جدتي. الساعة كانت 708 الصبح، رأفت بص في موبايله وهز راسه كله تمام يا إبراهيم.. البث مباشر، وحساسات الحركة شغالة. لو دبانة دخلت البيت هنعرف.
وقفت قدام الشباك أبص على الشروق وهو طالع من ورا الشجر في مصر الجديدة. الضباب كان لسه مالي الشوارع، وفجأة شفت حاجة خلت جسمي يتلج.. عربية جيب سوداء مركونة على أول الممر، الموتور شغال، والقزاز
رأفت، حاولت أخلي صوتي ثابت، العربية السوداء دي مركونة عندك من بدري؟ رأفت بص من الشباك ووشه اتقلب بقاله نص ساعة على الأقل.. تعرفه؟ لأ.
رأفت عمل مكالمة مكملتش تلات دقائق، ولما قفل كان وجهه جاد جداً إبراهيم، ابنك في مصيبة سودة. هاني خسر كل فلوسه في العملات الرقمية من ست شهور، ودخل في دوامة ديون ملهاش آخر. عليه كام؟ مديون لناس تقيلة بأكتر من 20 مليون جنيه. رأفت قالها بهدوء مرعب والناس دي معندهاش صبر يا إبراهيم.. مبيبعتوش محامين، بيبعتوا رجالة في عربيات سوداء تقف قدام البيوت الساعة 6 الصبح.
20 مليون جنيه! ابني مكنش بيسرقني عشان طماع.. كان بيسرقني عشان فيه حد هيدبحه لو مخدش الفلوس. هاني كان بيغرق، وبيحاول يشدني معاه لتحت عشان ينقذ رقبته.
ده يخليه أخطر، قولت. أخطر بكتير، رأفت أومأ براسه. الراجل اليائس مبيحسبهاش.. هو بس بيتصرف.
موبايل رأفت رن، وراني الشاشة كاميرا الممر.. فيه حد وصل. على الشاشة، ظهرت ميكروباص أبيض طالع من وسط الضباب، وراه عربية نجدة. وهاني نزل من عربية تاكسي وراهم، شايل شنطتين سفر وعلى وشه تعبير واحد قرر يقلع قناع الأدب خلاص.
الرزع على الباب هز الحيطان الساعة 712 الصبح. تلات خبطات بالإيد خلت دولاب الفضة يترج والنجفة الكريستال تتهز فوق راسي. كنت بتحرك ناحية الباب ورأفت ورايا ب خطوتين، وعقد البيت في إيدي.
من ورا القزاز، شفت هاني وحواليه رجالة لابسين لبس شركات نقل عفش. وراهم الميكروباص الأبيض أبوابه مفتوحة، مستعد يبلع كل حاجتي. وجنبهم نجار واقف بشنطة عدته. ووراء كل ده، أمين شرطة واقف وحاطط إيده في جنبه، بيراقب ببرود كأنه متعود يشوف العائلات وهي بتقطع في بعضها.
فتحت الباب. هاني كان صوته عالي عشان الكل يسمع يا سيادة الأمين، دي مسألة عائلية. والدي عنده توهان بخصوص ملكية البيت، وإحنا بس جايين نساعده ينتقل لمكان أنسب لصحته.
خليني أقولك إحساس إنك تدافع عن بيتك قدام ابنك.. إنك تقف على عتبة بيت بنيته بقرشك وشقا عمرك، وابنك واقف برا مع ناس مأجرهم عشان يطردوك، والشرطة واقفة تتفرج عشان محدش يمد إيده على التاني. ده كان عيد الفطر في عيلتي.
يا ابني، الأمين رفع إيده يسكت هاني. أنا هنا عشان أمنع المشاكل. مين صاحب البيت ده؟ طلعت لقدام والعقد في إيدي أنا. احمد إبراهيم الشاذلي. العقد أهو، تنازل رسمي من والدي الحاج إبراهيم بتاريخ مارس 2024. وضرايب البيت باسمي، وفواتير الكهرباء باسمي. ده بيتي من 40 سنة.
الأمين أخد العقد وفحصه. وش هاني
متابعة القراءة