كاملة

زيارة العيد وصدمتي في ابني بقلمي نرمين عادل همام

لمحة نيوز

هاني كان بيراقبني، بيحاول يفهم ليه منهرتش. سيبه يتساءل.. سيبه يعرق. عشان وأنا قاعد قدامه، عقلي كان راح للسنة الأخيرة من حياة أبويا، وفهمت كل اللي كنت غبي فيه لحد اللحظة دي.
أبويا، الحاج إبراهيم، مات من تمن شهور وهو عنده 94 سنة. كان راجل بنى إمبراطورية محلات حديد وبويات من محل واحد في السبتية، وقضى سنينه الأخيرة يراقب حفيده هاني وهو بيحسب ورثه بالآلة الحاسبة وهو لسه حي.
كنت فاكر إني فاهم أبويا.. طلعت غلطان.
خليني أحكيلك عن السنة الأخيرة في حياة ابويا .. مش عن الأدوية ولا دكاترة القلب اللي كنا بنروحلهم تلات مرات في الأسبوع، ولا عن صوت جهاز الأكسجين اللي كان شغال في ركن أوضته، ولا حتى عن إيده اللي كانت بترتعش وهو بيحاول يقفل زراير قميصه. أنا عايز أحكيلك عن اللي جدي شافه.. لأن الحاج إبراهيم الكبير قضى 94 سنة بيقرأ الناس، وفي سنته الأخيرة كان بيقرأ حفيده هاني كأنه دفتر حسابات كله خسارة.
كنت أنا اللي بوديه كل مشاويره. أنا اللي دفعت 14 ألف جنيه من حساب معاشي عشان أصلح سقف بيت ابويا لما شركة التأمين استهبلت. قضيت عطلات الأسبوع وأنا على ركبي بلمّع الباركيه في الطرقة، وليالي وأنا بغير خشب التراس اللي كان بيسوس من سنة 2019.
هاني جه زار جده أربع مرات بس في السنة دي.. أربع مرات في 12 شهر! وفي كل مرة، كان بيسأل عن الوصية.
هاني جه يوم الثلاثاء، صوت جدي لسه بيرن في ودني، صوت ضعيف بس حاد زي الموس، وإحنا قاعدين في التراس اللي كنت لسه داهنه.. سألني عن الخزنة تاني.. دي تالت مرة الشهر ده.
كنت بطلع أعذار لابني هو بس قلقان عليك يا حاج. بص لي جدي بعينيه اللي شافت كل حاجة.. شافت أيام الفقر، وشافت الحرب، وشافت زباين السبتية وهما بيحاولوا يفاصلوا معاه في المليم.
لأ يا إبراهيم.. هو قلقان على البيت. فيه فرق كبير. أنا شفته بيقيس الأوض بالنظر لما بيفتكر إني مش واخد بالي.
مصدقتوش.. قلت لنفسي ده خرف كبار، أو شكوك راجل عجوز عقله بدأ يسرح. بس عقل الحاج إبراهيم مكنش بيسرح أبداً.. ده كان خزنة فولاذ لحد آخر لحظة.
تعرف تصليح تراس مسوس بقاله 15 سنة يتكلف كام؟ 43 ألف جنيه. أنا عارف لأني أنا اللي دفعتهم. وهاني كان عارف برضه، ده طلب مني الفواتير عشان يراجع تقييم أصول العقار لزوم المستقبل! جدي كان لسه عايش، لسه بيتنفس، لسه بيراقب وبيدون ملاحظاته بهدوء.
يا إبراهيم.. أنت عارف شكل الراجل وهو بيعد عدتك بيبقى عامل إزاي؟ جدي سألني السؤال ده وإحنا بنشرب قهوة الصبح، وخرطوم الأكسجين ممدود
على أرضية المطبخ. أنا بنيت 12 محل.. حافظ النظرة دي كويس. ابنك بيبص للبيت النظرة دي كل ما يدخل من الباب.
قبل وفاته بتلات أسابيع، جدي قالي إنه عنده ميعاد في وسط البلد مع محامي اسمه منير شاكر. عرضت أوصله زي كل مرة، بس هز رأسه ورفض. مش لازم توصلني.. أنا رتبت عربية مخصوص. ميعاد إيه ده يا حاج؟ ابتسم جدي وقتها.. الابتسامة اللي كان بيديها للموردين اللي بيحاولوا يغلّوا عليه السعر الميعاد اللي بيخلي النسور تجوع.
مفهمتش.. افتكرت المورفين هو اللي مأثر على كلامه في أسابيعه الأخيرة. بس جدي مكنش تايه.. جدي كان بيحضر القنبلة.
آخر حاجة قالهالي في المستشفى، وصوت الأكسجين بيعمل صفارة الوداع الأخيرة البيت ليك يا إبراهيم.. أنا أمنت كل حاجة. متمكنش النسور منك. مست إيده وقلت له إني فاهم.. بس أنا مفهمتش، مش وقتها. مفهمتش غير دلوقتي وأنا قاعد على سفرة العيد، وتوقيع ابني المزور بينور على التابلت، ومراته بتبتسم ببرود تحت ضوء الشموع.
هاني لسه مراقبني، مستني إني انهار. يا بابا، صوته بقى مش صبور.. إحنا محتاجين نخلص إجراءات النقل. شركة الشحن ممكن تيجي يوم السبت تاخد العفش.
مردتش.. كنت بفكر في مكتبي، السقف القديم اللي كان بتاع جدي قبل ما يبقى بتاع أبويا وقبل ما يبقى بتاعي. في الدرج اللي فوق، تحت كومة فواتير قديمة، كان فيه كارت شخصي. منير شاكر.. محامي نقض وخبير تركات. حروف دهبي بارزة على ورق شيك.
لقيته وأنا بنضف حاجته بعد الجنازة. وقتها افتكرت إنه مجرد محامي عادي. رميته في الدرج ونسيته. بس دلوقتي افتكرت كل حاجة.
في نفس الدرج، جنب الكارت، كانت ورقة خروجي من مستشفى السلام الدولي، بتاريخ 14 يناير، ممضية من الدكتور حاتم.. مستحيل، مستحيل راجل يكون بيمضي تنازل عن بيته وهو في العناية المركزة!
أبويا ساب لي سلاحين دليل إن توقيع هاني مزور، ورقم تليفون الراجل اللي يقدر يشرح لي أبويا عمل إيه بالظبط عشان يحميني.
حطيت كوباية الشاي وبصيت لابني أعتقد.. إن كلامنا خلص النهاردة. وش هاني اتقلب. مكنش مستعد لراجل عجوز بيقول لأ.
هاني ونسرين رفضوا يمشوا. قعدوا على السفرة ساعتين يوشوشوا بعض بخطط بديلة وأنا سامعهم. نسرين مشايلة الموبايل ومبطلتش تليفونات، وهاني عمال يقلب في الملفات. كانوا مستنيين العجوز يقع من التعب.
الساعة دقت 1245 بعد نص الليل. تلات خبطات جامدين على الباب قطعوا السكون زي المطرقة. هاني اتفزع ونسرين موبايلها وقع منها على التربيزة. مكنش فيه حد في خطتهم يجي في الوقت ده!
قمت من مكاني
ببطء، ركبي بتزيق من الوجع، وفتحت الباب. من الشباك اللي جنب الباب شفت راجل لابس بالطو شيك، وماسك شنطة جلد تحت دراعه.
فتحت الباب. وقف منير شاكر على العتبة. راجل عنده 52 سنة، قضى حياته بيبلغ العائلات أخبار مبيحبوش يسمعوها بجمل كاملة وقاتلة. شعره أبيض وقور، ونظارته رفيعة، ووشه مبيقولش أي حاجة غير اللي هو عايز يقوله.
أستاذ إبراهيم، قال بصوت واطي ومهني، أنا أسف على التأخير. بس أعتقد إن ابنك عمل شوية غلطات الليلة دي لازم تفهمها قبل الصبح.
فتحت له الطريق ودخل. هاني ظهر في الطرقة، وشه كان بيتحول من الذهول للخوف. أنت مين يا جدع أنت؟
منير شاكر مصلش لابني أصلاً. مشي بهدوء لحد السفرة، وحط شنطته الجلد جنب أطباق  الكحك والبتيفور اللي ملمسوش. منير شاكر.. محامي الحاج إبراهيم الشاذلي الله يرحمه.
فتح الشنطة وبدأ يطلع ورقة ورا التانية بدقة جراح بيرتب مشارطه. أنا اللي بدير تركة جدك. وأنا هنا لأنك بعت لمكتبي ورقة مزورة من أسبوعين، والظاهر إنك طلعت ورقة تانية زيها النهاردة.
عمرك شفت نمر وهو بيكتشف إنه هو اللي بيتم صيده؟
ده اللي شفته في وش هاني لما منير شاكر فرد الأوراق دي تحت النجفة بتاعتي. ابني قضى شهور بيخطط للكمين ده، وم جاش في باله إن فيه حد تاني كان بيخطط ل كمين مضاد من سنين.
نسرين قربت من هاني ومسكت دراعه بلهفة أوراق إيه؟ وزفت إيه اللي بيتكلم عنه ده؟
منير تجاهلها تماماً، وطلع رزمة ورق تقيلة من الشنطة.. أوراق صندوق استئماني عليها إمضة أبويا، وموثقة ومعاها شهود، وتاريخها قبل وفاته ب 18 شهر.
يا أستاذ احمد  إبراهيم، منير وجه كلامه ليا وصوته بقى رسمي جداً، والدك الحاج إبراهيم الله يرحمه عمل صندوق استثماري منفصل بعيد عن ملكية البيت. القيمة الإجمالية للصندوق وقت وفاته كانت 15 مليون جنيه، ومتوزعة على تلاتة مستفيدين.
بص لهاني وقال ابنك هاني واحد منهم.. حصته تطلع حوالي 5 مليون جنيه.
عيني هاني وسعت.. شفته وهو بيعيد حساباته في سرة، 5 مليون جنيه مكنش يعرف عنهم الهوا! بس منير مخلصش كلامه.
المادة السادسة في الصندوق ده فيها بند بنسميه بند المصادرة. التفت لهاني بصبر المحامين اللي ياما نقلوا أخبار سودة لعائلات كتير أنصحك تقرأ القسم التالت بصوت عالي عشان يتسجل في المحضر.
أبويا الحاج إبراهيم قضى حياته بيبني محلات حديد، كان بيفهم في العدة والآلات. كان عارف إيه اللي بيقطع، وإيه اللي بيقيس، وإيه اللي بيدمر. بند المصادرة ده مكنش مجرد ورق قانوني، ده كان مصيدة ديابة ورق،
وهاني دخل فيها برجليه الاثنين.
هاني أخد الورقة، إيده كانت ثابتة، بس صوته كان بيترعش وهو بيقرأ
أي مستفيد يعترض بشكل مباشر أو غير مباشر على ملكية أو حيازة السكن الموضح في الجدول أ اللي هو البيت ده يسقط حقه بالكامل في الميراث المذكور في هذا الصندوق، ويتم التعامل معه قانوناً كأنه متوفى سابقاً ولا يحق له المطالبة بأي مليم.
نسرين برقت وقالت بجهل يعني إيه متوفى سابقاً؟
منير بصلها ببرود يعني يا مدام نسرين، لو جوزك كمل في اللي بدأه الليلة دي، الصندوق هيعتبره كأنه مات قبل جده. ال 5 مليون جنيه بتوعه هيروحوا للمستفيدين التانيين.. وهو مش هياخد نكلة.
السكوت ساد في الصالة.. حتى صوت الساعة القديمة كأنها كتمت نفسها. 5 مليون جنيه. ده اللي هاني كان هيخسره لو نطق بكلمة واحدة تانية ضد ملكيتي للبيت.
شفت هاني وهو بيحسبها في دماغه. البيت تمنه 20مليون، وال 5 مليون دول فكة بالنسبة للي هو عايزه. لو قدر يبيع البيت أو ينقل ملكيته، مكسبه هيبقى أضعاف.
ابني قرر إن البيت تمنه أغلى من الفلوس.
حط ورقة الصندوق على السفرة ببرود مستفز. وشه اتغير من الصدمة للحسابات، وبعدين ثبت على التعبير اللي عارفه فيه من وهو صغير.. التعبير اللي بيبان على وشه قبل ما يكسر حاجة ويرمي التهمة على غيره.
ماشي. صوته كان هادي زيادة عن اللزوم. خلي فلوس الصندوق ليكم.. أنا مش محتاجها. نسرين لفت وشها له بصدمة هاني! أنت بتقول إيه؟ قلت مش عايزها!
هاني بص في عيني بنظرة باردة عمري ما شفتها قبل كدة الفلوس دي مكنتش هي الهدف يا بابا. البيت هو الهدف.. وهآخده يعني هآخده، بطريقة أو بالتانية.
منير شاكر قلمُه وقف عن الكتابة، وبص لهاني بنظرة فيها استغراب يا أستاذ هاني.. أنصحك تفكر كويس في كلامك اللي جاي.
بس هاني كان خلاص بيتحرك ناحية الباب، ونسرين بتلم حاجتها وراه وهي مخضوضة. أنا فكرت كويس. مصلش وراه وهو خارج. بكرة هجيلك هنا ومعايا المحضر، ومعايا لودر لو لزم الأمر.. البيت ده من حقي، وهآخده غصب عن أي حد.
رزع الباب وراه روعة خلت النجفة تتهز. منير شاكر قفل ملفه وبص لي بحزن أستاذ إبراهيم.. إحنا محتاجين نتكلم في وسائل الحماية التانية اللي والدك عملها.. لأن ابنك لسه معلن الحرب دلوقتي.
صدى تهديد هاني كان لسه في الجو لما منير طلع ورقة تانية من الشنطة.. مدهاليش.. ده سلمها لهاني اللي كان لسه واقف على عتبة الباب وإيده على الأكرة.
قبل ما تمشي يا أستاذ هاني، منير قال بنبرة هادية تكاد تكون لطيفة، لازم تشوف دي.
هاني خطف الورقة،
وشفت وشه وهو بيقلب ألوان وهو بيقرأ. ذهول، بعدين صدمة،
تم نسخ الرابط