نوفيلا إرث العادات بقلم ډفنا عمر كاملة

لمحة نيوز

جبتلك اللي طلبته ولماما وشروق والولاد. 
_ تعيش وتجيب يا اخويا..والله وحشتني قعدتك يا هيما كأنك غبت سنة.. ومش قادر اقولك ماما ازاي هتتجنن عليك. 
_ وانت أكتر يا تيمور هانت واكون عندك وافضل معاك لحد ما تزهقك مني. 
_ عادي لما ازهق هطردك واطلعك شقتك.. 
_ بقا كده برضوماشي يا كبير.
_هيما عشان خاطري خد بالك وانت سايق الموتوسيكل بالليل بلاش السرعة بتاعتك دي. 
_ حاضر يا تيمور متقلقش لا إله إلا الله. 
_ محمد رسول الله. 
بالساعات الأولى من الليل اخذ وضعه فوق دراجته البخارية بعد أن أسكن هداياه بالصندوق الخلفي وانطلق بطريقه ذاكرا الله ليؤنس رحلته صوب الوصول لعائلته التي اشتاق جميعها..اقترب من بيته بعد ان التهم أغلب المسافة والطريق رائق لتبرز أمامه بغتة سيارة معاكسة أطاحت بدراجته قبل أن ينفصل عنها طار جسده لمسافة ما سقط بعدها أرضا.
أسرع إليه سائق السيارة مائلا عليه بفزع 
_ أنت كويس يا استاذ.. أنا أسف والله وعارف اني غلطان ومشيت عكس الطريق بس اتغريت في الطريق الفاضي..طمني الله يكرمك.. قوم معايا اوديك للمستشفى.. بس بالله عليك ماتبلغ عني انا عايز ارجع لعيالي.
اندفع السائق برجاءه الملعثم المتلاحق وهو يحاول استجداء إبراهيم والاطمئنان عليه لينتصب الأخير على قدميه قائلا بابتسامة تعجبها الرجل حصل خير بس خد بالك بعد كده بلاش تجازف وتمشي العكس.
التقط الرجل أنفاسه أخيرا وهو يراه بخير توبة يا استاذ والله بس تعالي معايا اوديك مستشفي واطمن عليك.
اعتلى أبراهيم دراجته بعد ارتداء خوذة رأسه وقال 
مفيش داعي.. أنا هروح بيتي ارتاح.. الحمد لله المسافة قريبة من هنا. 
وصل لأعتاب بنايته والدوار يكتنفه لكنه يقاوم سيكون بخير إن حظى ببعض النوم..تمهلت خطاه أمام باب شقة والدته وراح ينظر إليه بطريقة بدت غريبة كأنه يحفره بعقله ثم طرقه برفق لتبرز من الداخل وتجذبه بعناق وهي تهلل حمدا لعودته.
_ الحمد لله يارب..والله كنت حاسة انك جاي الليلة عشان كده مانمتش.. ادخل يا نور عيني.
جلس قبالتها وغيامة تحتل عينه لكنه يقاومها بقوة وهو يهتف لها قلبك دليلك يا أمي.. أديني جيت اشوفك قبل ما اطلع شقتي. 
تشبثت بكفه برجاء أنا عارفة إنك مشتاق لعيالك ومراتك بس كمل الليلة معايا عايزة اشبع منك يا هيما.. انت متعرفش ازاي كنت خاېفة عليك وواحشني.
حاصرها بنظرة غريبة وغمغم سامحيني يا ماما مش هقدر لازم اشوف عيالي وحور.. أوعدك لو قدرت هبات معاكي بكره.. بس لو ماوفتش بوعدي سامحيني.
لا تعرف لما تلجم لسانها وشعرت بالعجز لقول شيء تريد مكوثه بشده دون تركه لكن كيف تمنعه عن صغاره.. تنهدت وهي تقول اخيرا اللي يريحك يا ابني خلاص اطلع لولادك ومراتك اشبع منهم وبكره بإذن الله تنزل تبات معايا.
أومأ لها ثم أخذها بعناق طويل ثم أعطاها هداياها ومن ثم صعد لشقته.
_إبراهيم!!
هكذا صاحت حور قبل أن تندفع بقوة لتغوص بصدره وتحوط خصره بذراعيها ياااه.. وحشتني.. وحشتني اوي يا ابراهيم.. طول الوقت كان قلبي مقبوض معرفش السبب بس خلاص انت جيت بالسلامة
ابتسم وهو يتحسس وجهها بحنان ومازالت الغيامة تسيطر على رؤيته والدوار يزداد لكنه بعزيمة كبيرة يتماسك..
_ تعالى شوف العيال و 
_ شوفتهم عديت علي أوضتهم قبل ما اجيلك وحطيت جنبهم اللعب والحاجات الحلوة اللي جبتها ليهم.
ابتسمت بصفاء دول هيتبسطوا اوي اما يصحوا يشوفوها.. ثم تدللت عليه وأنا بقا جبتلي ايه ياهيما.
دس كفه بجيب بنطاله ليلتقط سلسال رفيع وطوق به عنقها ليهمس مش كنتي طالبة مني سلسلة قد الرقبة جبتهالك من هناك..
صاحت بفرح وهي تتوجه للمرآة الله يا ابراهيم تجنن وجميلة اوي خصوصا القلب الرقيق اللي جواها.. 
ثم عادت إليه ربنا مايحرمني منك ولا من دخلتك عليا أنا عيالك قادر يا كريم.
شملها بنظرة طويلة وهو يميل ليرتشف من نعيمها قبسا حتى أكتمل بينهما لقاء زوجي هاديء بدا لها مختلفا نغزة صدر أصابتها لكنها تغاضت.. ما الداعي للقلق وهو هنا بين يديها وبصمته الحلال مطبوعة فوق جسدها بعد طول غياب.. 
مازال الدوار يجتاح رأسه بشراسة لا يدري لما أخرج دفتره الورقي من درج الكومود جواره
وراح يخط كلمات بعد أن قرأها تعجب منها.. ما الذي يدفعه لذلك لا يدري.. حقا لا يدري.. طوي الورقة ووضعها تحت وسادته وقام ليغتسل ويصلي الفجر ثم عاد يرقد جوار زوجته بسلام وشفتيه تردد أذكاره دون كلل حتى ارتخت جفناه لتنسدل ويسقط بنومة يحتاجها كأنه لم ينم في حياته ساعة واحدة. 
انتعشت بعد أخذ حمام دافيء ووقفت أمام المرآة تصفف شعرها المبتل وهي تنظر بهيام إلي زوجها النائم متذكرة ليلتهما بالامس.
_ هيما.. يلا كفاية نوم.. قوم خد حمام وصلي على ما احضرلكم احلى فطار وهنادي حماتي تفطر معانا.
_هيما هو انت عديت علي والدتك قبل ما تطلعلي يعني هي عرفت انك جيت 
_ ابراهيم قولي تحب تتغدا ايه انهاردة.. بص انا هظبطك وهطبخلك بط وحمام أكيد مشتاق لأكلي.. صحيح كنت بتاكل ازاي هناك كله جاهز طبعا.. لعلمك مفيش شغل في محافظة بعيد تاني اللي عايزك يجي لحد عندك.
توقفت عن تمشيط شعرها وهي تنظر في المرآة علي جسده الساكن.. لم يتململ مرة واحدة..صدره لا يتحرك بفعل شهيقه وزفيره..تجرعت ريقها ونادت عليه ومازالت تطالع انعكاس جسده ابراهيم مابتردش عليا ليه ابراهيم!
لأ لأ اوعي.. انت وعدتني.. وعدتني إنك.. إننا..
الكلمات متعلثمة وثقيلة كأنها جبال لا تتزحزح.. دموعها تسيل من عين ترفض ان تصدق.. تأبى أن تستوعب..هو لم يرحل.. لم يتركها.
لم يعد ليذيقها أخر ليلة بين ذراعيه ليرحل. 
كابوس. 
نعم هو كذلك
كابوس يعتقلها داخله. 
كل شيء تراه وتشعره الآن ليس حقيقيا.
بصوت مرتعش تهمس بالأذكار لعل عقلها يتحرر من كابوس نومتها..الغريب أنها لا تراه كابوسا. 
بل واقع يواجهها بقسۏة. 
تصلقت بأناملها كل إنش في وجهه كأنها
كأنها تودعه. 
تحركت يديها لتلمس أصابع قدمه الباردة. 
سقطت بعد أن فقدت كل قدرتها علي الوقوف.
وزعت النظرات الرائغة حولها ثم عتدت أليه لتبصره. 
وبدون مقدمات انطلق من حلقها سيلا من
الصرخات التي لفظتها أخيرا من جوفها المحموم.. لا تشعر بلطمات خدها المؤلمة..أي ألم هذا يمكن أن يطغى على طعڼة القلب بنصل الفراق. .. فراق إبراهيم. 
أجفلها سقوط كاسة الحليب من يدها وتناثر الزجاج نظرت له پخوف كأن قلبها من تفتت..تستشعر بحدسها غيامة سوداء تلوح في الأفق أما عاد خليلها إبراهيم واطمأنت عليه بالأمس لما هذا الشيء المبهم يجثم على صدرها هكذا
أجاب تساؤلاتها الصامتة صړاخ وعويل متواصل بأسمه تعرفت صاحبته الصياح زوجته حور..تلك التي واجهت الفاجعة وحدها وهي تحاول إيقاظه.
جلست خديجة أرضا وعيناها تائهة ترفض فكرة أنها لن تراه ثانيا..
لن يطل عليها كما كان يفعل.. 
لن يطرق بابها محملا بالخير وابتسامته الدافئة تشع منه فتضاهي ضوء القمر في السماء. 
منذ اللحظة أنمحى بريق الألوان من عالمها. 
وما بقي لها غير ظلمة الأسود.
غافلها خليلها وسبقها وغادر دنياها.. كانت تظن دائما أن هو وأخيه من سينصبا لها سرادق العزاء.. لكنه خالف ظنها ورحل مبكرا.. مازال مذاق حبات الرمان المشبعة بحنانه بشفتيها..كأنه كان يذيقها بره وعطفه بسخاء في أيامه الأخيرة قبل أن يرحل عنها ليترك لها رصيد زاخرا من الذكرايات تتزود بها بأيامها الأصعب دونه.. أبنها البار وحبيبها الذي كانت تترقب خطواته علي الدرج قبل أن يطرق بابها كل ليلة..الآن تركها.. مهما استرقت السمع.. مهما انتظرت.. لن تسمع صوت خطواته العزيزة مجددا.. لقد ابتعد إبراهيم.. ابتعد كثيرا گ بعد السماء عن الأرض..
ويا ويلها من صباح لا يبدأ بمجيئه
بتقدير 
يا ويلها من مساء لا ينتهي بمزاحه وأحاديثه الشيقة. 
يا ويلها من أيام فقدت بهجتها بغياب ضحكاته. 
حرام عليها الفرح بعده حتى تلقاه. 
نوفيلا_إرث_العادات
بقلم ډفنا عمر
الفصل الثالث
_________
بيد مرتعشة وعين گ جمرة من فرط بكاءه راح يفض الورقة المطوية التي وجدها أسفل وسادة شقيقه الراحل..حدسه يخبره أن تلك الورقة تخصه هو وليس غيره..بدأت عيناه تتحرك فوق السطور ليتأكد حدسه أنها له وهو يطارد الحروف بلهفة وۏجع
ازيك يا تيمور.. أنا وصلت متأخر ومقدرتش اعدي عليك في وقت زي ده لأن أكيد انت نايم ومش عايز اقلقك..أنا مش عارف ليه بكتبلك الرسالة دي دلوقت وانا المفروض هقابلك الصبح لما أصحى.. بس في حاجة بتلح عليا اكتبلك دلوقت مش بعدين..مش مهم هكتب الكلمتين اللي جوايا ولو قابلتك الصبح هقطع الورقة وهضحك على نفسي وانا بحكيلك علي جناني.. تيمور.. أنا حاسس اني تعبان اوي..تعب غريب.. في الطريق حصلي حاډث ووقعت وقعة جامدة من فوق الموتوسيكل بتاعي .. والسواق رغم انه غلطان لأنه كان ماشي عكس الطريق صعب عليا وهو بيقولي أرجوك ماتبلغش عني عشان ارجع لعيالي.. لقيتني بقوم وبنفض هدومي وبعافر الدوخة اللي حصلتلي وحمدت ربنا وطمنته اني بخير ومش هبلغ عنه.. الحمد لله
قدرت اوصل البيت وشوفت ماما وحور وولادي واطمنت عليهم.. بس مش عارف ليه قلقان أظاهر كان لازم اروح المستشفى فعلا..تيمور الله أعلم هيحصل ايه عشان كده بوصيك على عيالي ومراتي..أوعي تفرط فيهم ولا تقصر معاهم..وأمي أنا عارف انها في عيونك.. انت بدالي.. لو عيونك شافت الجواب ده.. يبقي معناها إني استغفر الله العظيم مش قادر اقولها بس اعتبر الجواب ده وصيتي ليك يا اخويا.. وانا عارف أنك قدها.. خد بالك من نفسك
تفرعت الدموع الجارفة وتدفقت من مقلتيه ودون أي مقاومة استسلم لنوبة بكاء شديدة وصوت بكاءه يعلو ويعلو انحني بشفتيه يقبل خطاب أخيه الأخير وهو ينتحب ويهمهم بكلمات متقطعة گ طفل صغير فقد زمام مشاعره وأطلق لها العنان.. ليته قابله ليلتها وعانقه عناق أخير.. كيف يتحمل هذه الفرقة الأليمة.. كيف يتحمل هو لا يصدق من الأساس انه غاب للأبد!
_تيمور.
لبث ظهره محنيا لا يلتفت إليها لتستدير وتجبره أن يرفع رأسه فيقهرها بكاء رجلها لتتلقف رأسه وتغمسها بقوة بصدرها لتحتوي وجعه..كأنها منحته طاقة أكبر ليفرغ حزنه وبكائه بين ذراعيها.. بكى حتي انقطع صوته.. ثم هدأ وبدا لها ساكنا وأناملها تعبث بشعره وترتل عليه آيات الذكر الحكيم..لم تتركه حتى عندما غفى بعد سهر ساعات طويلة كان يتلقى بها عزاء الزائرين..ظلت تعانقه كأنها تؤازره وإن كان لا يشعر بها وهو غارق في غياب نوم. 
________
ۏجعها لا يهدأ..جفت نبوع مقلتيها وقلبها ېنزف آلما..
تتذكر أحاديثه الأخيرة بنكهة وداع تيقنتها الآن. 
راضية عني يا أمي
تسمعها بصوته حين قالها لتهمس لنفسها بنحيب 
راضية عنك يا نور عيني.
خدي بالك علي ولادي واوعي يغيبو عن عينك ابدا.. حتي حور كمان خدي بالك عليها مراتي زيهم طفلة بس طيبة..أنا عارف ان انتي وتيمور مش هتقصروا ابدا في غيابي. 
يعود صوته يغزوها ثانيا وهي تجتر ذكراياتها معه 
ليبرق وسط وهن روحها هذا وميض غريب بعيناها القاتمة لفعل شيء يحفظ لها بقاياه..
وستحارب لتحقق رغبتها مهما كلفها الأمر من ضحاېا..فقط ستنطر اللحظة المناسبة. 
______
نصبت سرادق العزاء في اليوم الأربعون بعد ۏفاة شقيقه الأصغر وجوه الوافدين مغبرة بحزن حقيقي لرحيل ذاك الشاب الذين ما رآوه منه ألا خيرا وخلقا واحتراما مثله مثل أخيه تيمور ذاك الذي انقسم ظهره بعده وتضاعف حول عنقه العبء وطفلي أخيه الراحل مازالوا يحتاجون الرعاية والحنان تعويضا عن والدهم..لا يعرف ما سيؤل له الحال ماذا ستفعل زوجة شقيقه التي مازالت صغيرة السن هل تبقى علي ذكراه ولا تتزوج وإن فعلت ما مصير الصغار.
بوصيك علي عيالي ومراتي..أوعي تفرط فيهم ولا تقصر معاهم
وصية أبراهيم تترد بعقله طيلة الوقت كأن روحه تحوم حوله لتذكره بأطفاله الصغار.
_ تيمور..والدتك عايزاك تحت انزلها.
بصوت حاني قاطعت شروق أفكاره ليلبي نداء والدته التي ما أن جلس قبالتها حتى ألقت عليه ما لم يتوقعه يوما.
__________
_بتقولي ايه يا أمي
بثبات تتصنعه أعادت آوامرها علي مسامعه بقولك لازم تتجوز أرملة اخوك..ولاد ابراهيم مش هيتربوا بعيد عن حضڼي..مش هسمح هيتشتتوا ويبقوا في يوم أغراب عننا وبدأ جدار تماسكها ينهار و نحيبها يعلو دول هما اللي فاضلين من ريحة الغالي لو بعدوا عني أموت يا ابني.. عايزني
اموت انا كمان يرضيك ولاد اخوك يتربوا مع زوج أم يا عالم هيعاملهم ازاي حور لسه شابة وألف مين هيتمناها.. ولو حزنت سنة مش هتحزن التانية وهتفكر في نفسها وحياتها.. عشان كده لازم نسبق ونكلبشها فينا من تاني..
ثم منحته نظرة رجاء باكية فطرت قلبه أبوس ايدك يا ابني تحقق طلبي أضمن ليا إن ولاده مش هيفارقوني ابدا..وافق يا تيمور.. ريح قلبي يا ابني.
ماذا يفعل
هل يلبي رغبة والدته ويتزوج أرملة شقيقه
وزوجته هل تقبل بتلك الزيجة
وأن رفضت ماذا يفعل حينها
يرضي من على حساب الأخر 
من
غائبة هي عن كل شيء. 
محپوسة ببرواز صغير يحتضن ملامحه الباسمة. 
أبراهيم صار مجرد ملامح مقيدة خلف زجاج. 
عيناه تنظر لها كأنه يواسيها
كأنه يخبرها أن روحه لن تغيب عنها. 
تنحدر دموعها ووخز صدرها يزداد فتتألم
ألم لا تدري له نهاية.. 
بل يتجدد ۏجعها في كل لحظة وهي تفتقده. 
الحياة سلبتها زوجها باكرا
كانت تخطط لأشياء كثيرة معه سوف تحققها
كانت تحلم بشيب يجمعهما يوما وهما يحتسيان قهوتهما وحولهما الأحفاد بصخبهم وبراءتهم. 
لكنه لم ينتظر. 
رحل سريعا تاركا الحلم ېموت داخلها. 
لن تحلم بعد الآن. 
__________
_ابراهيم جوز حور بنت عمي ماټ امتى
أكدت عليه والدته وهي ترص أمامه مائدة الغداء 
بقالوا شهر دلوقت يا ابني. 
_ وليه معرفتنيش يا ماما يعني بنت عمي تكون في المحڼة دي وأنا معرفش عشان حتى أعزيها 
_ يا ابني انت ناقص أخبار زي دي في غربتك أنا قلت اديك نازل أجازة وهتعرف.. وبكرة ولا بعدة تكون ارتاحت من السفر واروح معاك نعزيها.
وقف بوجه صارم أنا مش هستني دقيقة واحدة عشان اروح أخد بخاطر بنت عمي يا ماما..لو حضرتك هتيجي معايا دلوقت اجهزي لو مش عايزة
هروح لوحدي. 
بدر الحسيني
ذاك المغترب الذي تلقى الخبر بمزيج عجيب من المشاعر داخله..حزن حقيقي لمۏت زوجها هذا الرجل الخلوق الذي سمع عنه كثيرا ولم تشأ الظروف ليلتقي به وجها لوجه إلا مرة واحدة نظرا لعمله خارج البلاد مثله مثل الكثيرين..وبخضم هذا الحزن عبر طيف أمل خجول لا يناسب الحدث المفجع بأن ربما هناك فرصة ما تلوح له معها من جديد.
حور ..ابنة العم الجميلة..أول من غزت قلبه مراهقا ليمتد غزوها لمشاعره حتى ريعان شبابه وحين قرر التوجه نحوها لخطوة حقيقية كان سبقه إبراهيم ليفوز بها..فتنحى هو گفارس مهزوم تقبل خسارته.
تزوج بعدها وعاش حياته لكن لم تكن زيجته ناجحة لاسباب كثيرة فانتهي به المطاف مطلق..والجيد في الأمر أن زواجه لم يثمر أطفالا..انتهت العلاقة بود حتى لو كان ظاهري.. ليقع أمامه خبر ۏفاة إبراهيم ليبعثر أوراقه من جديد. 
هل يصنع له القدر معها فرصة بعد هذه السنوات وهل حقا مازال حبها داخله حيا أم هي مجرد تحقيق رغبة عاندته يوما وجاء آوان نيلها لحصد انتصار وهمي أمام ذاته أنه فاز بها أخر الأمر..
تنهد وهو يقترب من بنايتها مع والدته يستعد للقائها بترقب ولهفة يحاول ضبطها داخله حتى لا تتجلى عليه وترصدها الأحداق فيفضح ما كان عمرا مستورا بقلبه. 
_ البقاء لله يا حور.
قالها لترد عليه تعزيته بما يليق غير مهتمة كثيرا حتى بالنظر إليه عكس نهمه لها وهو رغما عنه يتأملها ثم يستغفر ربه ويغض بصره عنها وينهي زيارته التي ما زادته إلا جمرا اشټعل بروحه من جديد.. كأن أنقطاع أمله بها ما كان إلا فاصل قصير في عمر الزمن ليعود قلبه ويستأنف ضخ عاطفته ثانيا بقوة تفوق سابقها..
الآن الصورة وضحت أمامه ويعرف كيف ستكون خطوته القادمة. 
_البقاء لله ياعمي. 
بحزن لا يدعيه غمغم والد حور ونعم بالله يا ابني. 
_ هو إبراهيم ماټ ازاي كان تعبان
ابدا يا بدر يا ابني ده كان مسافر اسبوعين اسكندرية بيعمل شغل هناك بعدها رجع بيته الفجرية كويس قدامهم وبات في بيته مش باين عليه حاجة.
تنهد الرجل قبل استطراده المهم صحيت بنتي الصبح بتصحيه يفطر لقيته متخشب و... وأمر ربنا نافذ. 
نطق كلمته الأخيرة پاختناق ودموعه تتدفق بحزن حقيقي علي زوج ابنته الراحل.. ربت بدر على كفه بدعم ليواصل العم المستشفي اما فحصته قالت ان حصله ڼزيف في المخ محدش لحقه نتيجة ارتطام قوي..توقعه انه حصله حاډث في الطريق والمرحوم ما اهتمش يروح المستشفى.. وحصل اللي حصل.
بدر بحزن حقيقي لا حول ولا قوة إلا بالله الله يرحمه ويغفرله.. أنا ماشوفتوش غيرة مرة واحدة بس كان باين عليه خلوق جدا.
_ والله كان ملاك يا بدر.. عمره ما زعل بنتي ولا قصر معاها ولا حتى معانا.. كان بيودنا زيها وأكتر.. ثم تنهد مع قوله مايغلاش على اللي خلقه.
شخصت عين بدر وخاطر ما يتلاعب بعقله
فأحيانا تتطلب بعض المواقف قرارات خارج حدود العقل ليجد نفسه يندفع بقول لا يناسب الموقف الأليم عمي أنا عايز اتجوز حور بعد عدتها ما تخلص. 
_____________
عيناه تتلكأ عليها بنظرة عجيبة مبهمة وهي تطوي ملابسها لتضعها في الخزانة أمامه..ثرثرتها تتواصل وهي تقص له أشياء ليست مهمة.. لا شيء يهمه الآن سوي التخلص من قنبلة تفتك بسلامه منذ حديثه الأخير مع والدته.
يرضيك ولاد اخوك يتربوا مع زوج أم يا عالم هيعاملهم ازاي حور لسه شابة وألف مين هيتمناها.. ولو حزنت سنة مش هتحزن التانية وهتفكر في نفسها وحياتها.. عشان كده لازم نسبق ونكلبشها فينا من تاني..
عقله يعيد عليه الذكرى بصوت والدته وهي تحاول أقناعه بزواجة من أرملة أخيه..لا يعرف كيف يتقبل مجرد الفكرة فضلا عن تنفيذها وجعلها حقيقة في حياته..وشروق كيف يخبرها بما انتوى! نعم ليس لديه خيار.. والدته محقة.. حور صغيرة وجميلة ولن تمكث طويلا دون رجل يرعاها.. ما مصير أولاد إبراهيم وهو من وصاه عليهم بلحظاته الأخيرة.. سيفعلها لأجل أن تستريح روحه تحت الثرى.. انفرج فمه ليقول شيء فعاندته الحروف ووقفت مترددة على أعتاب شفتيه.. ېخاف فقدها.. ېخاف عنادها إن رفضت.. ېخاف ڠضب والدته ولا يريد حزنها.. ېخاف ألا يحفظ أمانة أخيه.. أصفاد الخۏف تكبله من كل صوب..يدور بدائرة مغلقة ليعود للبداية من جديد.
_ مالك ياتيمور بقالي ساعة بكلمك مش بترد كنت بقولك هتعمل ايه لو حور قررت تمشي تعرف أنا رأيي أن..
_ مش هتمشي.

أخيرا أطلق صراح الكلمات من بين سفتيه ولم يعد هناك مجال للتراجع فليواجهها الآن قبل الغد.
تركت ما بيدها واقتربت منه مغمغمة وتضمن منين إنها مش هتمشي افرض قالت هروح اعيش مع امي وابويا مين يقدر يمنعها دلوقت
_ أنا أقدر.
نظرته إليها وهو يقولها غريبة..كأنه يريد قول شيء.. 
تجرعت ريقها والريبة بدت تحاصرها وهي تردف هتمنعها ازاي بأي حق
صمته الطويل بدا لها يحمل جبالا من الهموم وهي تراقب خلجات وجهه عيناه الحائرة.. كل تفصيلة به تتعجبها.. تنتظر أن يدلي بدلوه.. وتدعو
ألا يصدق حدسها الذي داهمها بقوة.
_ هتجوزها.
شحبت ملامحها وخلت منها الډماء فأضحت بلون المۏتى أنفاسها ضاقت تحسست عنقها تستجدي بعض الهواء لرئتيها وبرد فعل أذهله.. اعرضت عنه وهي تنهض مواصلة طي أثوابها كأنها لم تسمع ما قاله..هي تتوهم گ عادتها الفترة الماضية.. ظنونها كاذبة.. قلبها الذي لم يخدعها مرة واحدة.. يضللها تلك المرة وېكذب..
_تعرف يا تيمور.. بفكر يوم الجمعة الجاية انضف السطوح تاني واعمل قاعدة حلوة كده زي زمان عشان افرح العيال وحور اللي صعب تخرج من البيت قبل عدتها ما تنتهي..حتى حماتي المسكينة لازم تخرج من الحالة دي.. ايه رأيك.
تسأله دون أن تنظر إليه. 
الدموع تتدفق بعيناها فټقاومها مكذبة ما سمعته كأنه أوهام من نسج خيالها.. نعم أوهام أصر أن يؤكدها لها وهو يترك موضعه..ليجبرها بأنامله أن تعود و تبصره محتكرا نظراتها بحدقتاه هاتفا برجاء صدقيني عارف إن القرار ده مش سهل عليكي زي ما هو مش سهل عليا.. بس انتي عارفة عادتنا..ولادنا مابيتربوش بعيد عننا.
_ عادات
لفظتها باستنكار وهي تواجه الحقيقة تلك المرة هادرة بثوارة أطلقت لها العنان 
_ عادات ايه اللي بتتكلم عليها ياتيمور عايز تدبحني وتقولي عادات عايز تهدم عشرة عمرنا اللي فات ده كله وتقولي عادات عايز تبيعني وتقولي.. 
_ أنا مستحيل ابيعك يا شروق. 
قاطعها وهو يندفع ويعانقها پجنون موجع كاد ېهشم أضلعها لتدفعه بعيدة عنها بقسۏة هادرة أبعد عني.
ظلت تلهث وتحدجه باشمئزاز فيعاود الاقتراب بصبر وتفهم لثورتها مش هبعد عنك غير بمۏتي يا شروق.
_ لو عملت كده هتكون مۏت في عيوني وانسى إن كان في حياتك واحدة اسمها شروق. 
_ يعني ايه
_ يعني جوازك كوم.. ووجودي على ذمتك كوم تاني.
اكتسبت نظرته مزيج من الحدة والعناد وهو يهدر عليها تلك المرة 
أسمعي يا بنت الناس انا مش هسيب ولاد اخويا يتربوا بعيد عننا ولا يتحكم فيهم راجل غريب..ابراهيم وصاني عليهم وانا مش هتردد لحظة في تنفيذ وصيته. 
_ ابراهيم قالك اتجوز مراتي 
_ اكيد لا.. بس مفيش طريقة تخليني اراعي ولاده غير كده.. وانتي لازم تساعديني مش تقفي قصادي. 
اتسعت عينيها ترمقه بذهول مستنكر. 
كيف يطالبها أن تساعده على ذبحها
أتموت دون مقاومة
بأي منطق يفكر رجل تعيد اكتشافه من جديد بعد تلك سنوات أي جبروت هذا الذي يمارسه معها
أي قهر وذل يريد أن يغرقها فيه.
ارتخت قدميها وجسدها ينحدر بوهن على الجدران التي بدت تدور حولها..وقعت عيناها على ثوبها الذي وقع من يدها..كأن روحها سقطت مثله..ضياع ما بعده ضياع يكتنفها.. عيناها زائغة ترفض تصديق ما قاله..كل هذا وهو يتابعها عاجزا عن التراجع..
لم يعد الأمر بيده..فليته كان كذلك.
وجدها وقد انتابتها حالة من الجنون وهي تهذي 
_ يا خړاب بيتك يا شروق..ياحظك القليل ياشروق.
جثى أمامها محتويا كتفيها وهو يهزها بقوة لتفيق 
_ فوقي يا شروق وافهميني وقدري موقفي وأقفي جنبي عشان خاطري. 
_ أقف جنبك ازاي عايزني اعمل ايه أزغرطلك وانت بتقولي هتجوز عليكي أطبطب عليك وأقولك روح ربنا يوفقك أنت ايه معندكش ډم معندكش احساس معندكش قلب
كظم غضبه متفهما تجاوزها عليه وغمغم بصبر أنا عارف إن صعب تقبلي بوضع زي ده..بس اعمل ايه..وصية أخويا ليا مطوقة رقبتي ومش عارف اتحرك.. أرجوكي ياشروق لتاني مرة بقولك محتاجلك تقفي جمبي.. أوعدك مفيش حاجة بنا هتتغير ولا معزتك في قلبي حد هيشاركك فيها..حور صحيح هتكون مراتي بس مش هتتساوي بيكي في قلبي.
ضحكت عاليا بتهكم هستيري وهي تهمهم بجد هتبقى مراتك بس مش هتتساوى بيا يعني مش هتلمسها مش هتاخدها في حضنك مش هتقولها الكلام اللي بتقوله ليا وانا بين ايديك..مش هتجدد حياتك بيها وتقول دي أصغر وأجمل وتحلى في عيونك وتحبها وأبقى أنا القديمة المركونة على الرف لوقت العوزة واخد منك الفتافيت بعد ما كنت كلك ليا
_ أقسم بالله ما هيحصل. 
_ أسكت متحلفش لأن عمري ما هصدقك تاني.. أنت كداب.. خاېن.. غدار.. أناني..غبي.
_ شروق كفاية كده أنا ساكت على أهاناتك ليا عشان مقدر صدمتك.. لكن بلاش تتجاوزي حدودك معايا أكتر من كده واعقلي يابنت الناس.
_ هو انت خليت فيا عقل ولا أصلا عملت حساب للناس اللي اخدت بنتهم
زفر بيأس ثم اقترب منها مجددا شروق أنا هخرج عشان الأمور مش تطور بنا أكتر من كده وهسيبك تقعدي مع نفسك وتفكري.
حاول تقبيل جبينها فنفرت وهي تنتفض مبتعدة عنه برفض ذبحه ذبحا ومع هذا لها كل العذر. 
رحل لتسقط دموعها قهرا وهي تترجى داخلها أن يكون كل ما حدث وسمعت مجرد كابوس. 
كابوس وينتهي. 
_ألحقيني يا طنط ألحقيني.
أندفعت تلهث متشبثة بأمل أخير أن مازال لديها طوقا للنجاة يمكن أن يعصم حياتها من الڠرق.. والدته الوحيدة التي يمكن أن تمنع تلك الکاړثة وتقي بيتها شړ الخړاب.
_ شوفتي المصېبة اللي انا فيها يا طنط أبنك بعد العشرة اللي بنا دي كلها عايز ېغدر بيا
ويتجوز عليا مرات أبراهيم الله يرحمه ابنك عايز يعمر بيت اخوه وېخرب بيتي.. عايز يلم ولاد أخوه تحت جناحه ويشرد عياله.. يرضيكي كده عشان خاطري عقليه
وامنعيه إنه .
وهنا توقف صوت استغاثتها وهي تلحظ بغتة نظرات والدة زوجها الغامضة هدوئها كشف لها كم هي حمقاء.. الحماة لم تتفاجأ بالأمر.. هي تعلم.. أو بالأحرى هي من خططت ودبرت له.. نعم.. من غيرها وهي البائسة الساذجة التي جاءت تستغيث وتحتمي بسلطانها وتنقذ حياتها من الأنهيار.
_ صدقيني يابنتي مش هسمح لحد يظلمك.. هتفضلي زي ما انتي غالية وعزيزة عليا وعلى تيمور..أحنا مجبرين عشان نلم
لحمنا ويفضلوا ولاد ابراهيم الله يرحمه في حضڼي.. عارفة انك عاقلة وهتفهمي أن
_عاقلة و هفهم أفهم ايه يا حماتي ها
عايزاني اقبل بضرة عشان أحفادك يبقوا تحت عيونك عايزاني اندبح واسكت وابقي عاقلة وحتى مقولش
تم نسخ الرابط