كاملة
بنت الحارة والبرينس بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بنت الحارة والبرينس بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
حصري لموقع لمحة
حكاية أدهم الصيرفي.. من القمة للوحدة
كل ست في الحفلة صدته والهمسات كانت ماشية وراه في كل خطوة. أدهم الصيرفي اللي كان مالي الدنيا بقى سيرة على كل لسان.. كلام عن إفلاسه القريب وخطوبته اللي باظت والثروة اللي خلاص بتودع.
على آخر السهرة المليونير اللي كانت مصر كلها بتجري وراه بقى قاعد لوحده في تراس الفندق غريب وسط ناس كان في يوم من الأيام هو سيدهم وكل عينه عليهم. في اللحظة دي بنت شابة من عمال النظافة بلبسها الباهت وقفت قدامه وناولته كوباية ميه وسألته بهدوء حضرتك كويس محتاج أي حاجة
مكانتش تعرف هو مين ولا كان فارق معاها أصلا ومكنتش متخيلة إن جبر الخاطر البسيط ده هيغير حياتهم هما الاتنين للأبد.
القاعة الكبيرة في فندق الماسة كانت بتبرق بالدهب والكريستال. النجف منور زي الشمس فوق بحر من الفساتين السواريه والبدل الشيك. حفلة الشتاء الخيرية السنوية دي كان المفروض تكون ليلة أدهم الصيرفي شركته هي الراعي الرسمي واسمه مالي البانرات والمستشفيات اللي بتتعالج بالمجان كانت مستنية حضوره عشان يلم التبرعات التقيلة.
بس الليلة دي اسمه كان بيتردد كوشوشة وبسبب كل حاجة غلط. من تلات أسابيع بلوجر بتاع بورصة نزل مقال من غير دليل بيقول إن مجموعة الصيرفي على شفا الانهيار. الإشاعة ولعت زي النار في القش واتبنت عليها قصص تانية إن خطيبته سابته وراحت لمنافس ليه إن اختفاءه الفترة اللي فاتت كان هروب وإن ثروته دي مجرد منظرة وكلام فاضي.
أدهم كان يقدر يسكت الكل الورق معاه والأرقام في صفه بس بعد سنين من اللف والدوران في الدايرة دي لقى نفسه مكسل يثبت حاجة لحد
أدهم كان عارف إن الصحافة مش بترحم وبياكلوا في وش الواحد وهو حي فقرر إن السكوت هيكون أقوى رد. بس السكوت ده خلى مشيته في القاعة الليلة دي كأنه ماشي في حقل ألغام. في الأول قربت منه ستات لابسين قطيفة وحرير بضحكات مرسومة زي السكاكين بس الكلام مكنش بيكمل ثواني.
أول ما يلمحوا في عينه نظرة حزن أو ياخدوا بالهم إن إيده مفيش فيها الخاتم الألماظ اللي كان بيبرق كانوا بيسحبوا نفسهم بمنتهى الشياكة القاسية. وفيه اللي حتى مكلفوش خاطرهم يمثلوا الذوق وبدأوا يوشوشوا في ضهره وكأنهم قاصدين يسمعوه.
بعد تالت كسفة أدهم بطل يحاول أصلا. وبعد ساعة لقى نفسه في أبعد ركن في التراس الخارجي الحتة اللي كان صوت المزيكا فيها هادي وبعيد تحت هسس برد الشتا. الهوا
في اللحظة دي خد باله منها. مكانتش لابسة فستان سواريه ولا شايلة شنطة ماركة ولا في على وشها ضحكة تمثيل. كانت لابسة بنطلون كحلي بتاع الشغل وجاكت رمادي باهت عليه لوجو الفندق وبتزق قدامها عربية أدوات نظافة على البلاط.
بنت في أواخر العشرين لمة شعرها ضفيرة عملية وكان فيه هبابة عفار صغيرة على..
كان على طرف جبهتها هبابة عفرة أو يمكن شوية بوية بس كانت بتتحرك بهدوء وثقة زي الناس اللي اتعودت تكون مخفية في المكان. ورغم كده وقفت لما شافته.
حضرتك كويس سألته بمنتهى البساطة وكأن سؤالها ده هو الطبيعي في الدنيا.
أدهم رمش بعينه بصدمة.. مفيش حد سأله السؤال ده الليلة دي كلها ولا حتى من أسابيع من غير ما يكون مستني منه رد رسمي بتاع علاقات عامة. صوتها مكانش فيه التزييف ولا النحنحة بتاعة ستات المجتمع اللي بيدوروا على لقطة أو سبوبة كلام.. كان صوت هادي وصادق.
بص لكاس العصير اللي في إيده وبعدين بصلها وقال يعني.. أحسن من غيري بنت الحارة والبرينس بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
فضلت باصة له لثانية وبعدين مدت إيدها في كولمان صغير كان محطوط على الرف اللي تحت في عربية النظافة طلعت أزازة مية مقفولة فتحت الغطاء وناولتها له الشامبانيا والمنظرة دي شكلهم بيبقى حلو في الصور.. بس بتبقى وحشة أوي لو أنت بجد عطشان.
أدهم ملقاش نفسه غير وهو بيتبسم شكرا جدا.
العفو على إيه. كانت هتمشي بالعربية بس ترددت ثانية أنت مش من المعازيم صح قصدي.. شكلك مش مستني حد.
أدهم رد بكلمات عايمة حاجة زي كده.. وأنتي
ضحكت ضحكة خفيفة أنا شغالة هنا. آية.. آية إبراهيم. وشاورت على البادج اللي على كتفها اللقب الرسمي عاملة نظافة.. اللقب الحبي مخزن أزايز المية وصاحبة أصلخ نكت في الفندق.
صراحتها كانت مريحة للأعصاب بشكل غريب. في العالم اللي أدهم عايش فيه الناس بتعرف نفسها ب السي في أو بسلام إيد محسوب بالملي. أدهم رد بامتنان والله يا آية أنتي شكلك لسه منقذة ليلتي دي.
هزت راسها وكأنها فاهمة من غير ما تسأل كتير ليلة طويلة.. وسنة أطول صح
الحوار كان ممكن يخلص هنا بس هي فضلت واقفة لحظة ساندة على إيد العربية. وفي ضوء التراس الدهبي الهادي عينيها كانت صافية وقوية. حاول متتكتكش من البرد هنا.. الجو حلو أوي بس مش لدرجة يجيلك دور برد
ومع الكلمتين دول زقت عربيتها واختفت في ممر العمال. أدهم فضل قاعد وأزازة المية في إيده لسه حاسس بدفا إيدها على الغطاء. مكنش عارف ليه الموقف ده فرق معاه كده وليه فجأة حس إن المكان بقى أهدى وأوحش لما مشيت.
جوه القاعة الحفلة كانت لسه والعة.. المزيكا صاخبة وصوت الضحك المزييف مالي المكان بس لأول مرة من سنين أدهم الصيرفي مكانش عنده أي رغبة يرجع ينضم ليهم. فضل قاعد بره بيفكر في البنت اللي عينيها صادقة وصوتها مسألش عن أي حاجة غير أنت كويس
أدهم مكنش ناوي يرجع جوه تاني.. القاعة دي بقت بالنسبة له مسرح كبير كل وش فيه لابس ماسك متلمع كل نظرة فيه وراها حسابات وكل كلمة وراها محاولة عشان يعرفوا لسه هيطلعوا منه بإيه.. وهو اللي بقاله سنين هو اللي بينظم الحفلة دي!
بس الليلة دي أضواء القاعة كانت رزلة في عينه كأنها كشافات مسلطة على واحد حياته الخاصة بقت مشاع والكل بيقطع فيها. كان ممكن ينسحب ببساطة يهرب من الباب الجانبي يطلب السواق ويختفي في زحمة شوارع القاهرة.. ومحدش كان هيحس بغيابه ولا حد كان هيسأل راح فين إلا يمكن البنت اللي شايلة بادج النظافة اللي ناولت له أزازة المية كأنها بتديله كنز.
الموضوع مكنش مية وبس كانت الطريقة اللي بصتله بيها عيون مفهاش طمع ولا مستنية مصلحة كلمته كأنه بني آدم مش كأنه مانشيت في الجرائد ولا رصيد في البنك مجرد راجل باين عليه إنه مش تمام.
أدهم فضل واقف في البرد شوية ساب الهوا يلطش في وشة لحد ما السعة وصلت لقلبه ساب كاس العصير اللي طعمه بقى ماسخ على السور وخد أزازة المية ودخل وراها ممر العمال. الباب مكنش مقفول وجوه دوشة الحفلة بقت بعيدة ومكتومة وحل مكانها صوت ماكينة تلميع الأرضيات وهي بتون في آخر الممر والجو بقى ريحته ميكس بين منظفات وقهوة مغلية بقالها كتير.
كان هيلف ويرجع بس شافها. آية كانت ساندة على ركبتها جنب باسكت زبالة نحاس كبير بتغير الكيس بمهارة وسرعة. رفعت راسها لما سمعت صوت جزمته ورفعت حاجبها باستغراب تهت ولا إيه يا أستاذ
أدهم رد بهدوء مش بالظبط.. أنا كنت بدور عليكي.
ابتسمت ابتسامة فيها حيرة خاف على نفسك أنا قعدتي غالية ده أنا ممكن أخلص ميزانية المنظفات كلها في ساعة!
أدهم ضحك وقرب منها أنا بس كنت عاوز أشكرك على اللي عملتيه بره.
ردت ببساطة يا فندم دي كانت أزازة مية!
كانت أكتر من كده بكتير.
فضلت بصاله لثواني كأنها بتحاول تفهم هو بيتكلم بجد ولا ده تنميل من بتوع ولاد الذوات. قالت له أنت شكلك
رد عليها بصوت واطي مكنتش غلبان عشان ألاقي لمة أنا كنت غلبان عشان ألاقي حد يفرق معاه أنا موجود في المكان ولا لأ.
اللحظة سكتت ومكنش مسموع غير صوت الماكينة البعيد. آية ريحت على كعب رجلها وكرمشت كيس الزبالة في إيدها وقالت باين عليها ليلة من اللي هما صح
أدهم تنهد قولي سنة من اللي هما.
قامت وقفت وهي بتنفض إيدها في الجاكت فاهماك.. مش في حتة المليونير دي طبعا بس فاهماك في حتة إنك تدخل مكان وتحس إنك لو اختفيت فجأة محدش هياخد باله أصلا.
الكلمة كانت حراقة وصادقة أكتر مما توقع سألها أنتي حسيتي بكده قبل كده
هزت كتافها بلامبالاة ومين فينا محسش بكدهبنت الحارة والبرينس بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
ابتسم أدهم نص ابتسامة وقال إلا يمكن الناس اللي في القاعة جوه دول.
وقفوا هما الاتنين لثانية اتنين من عالمين مختلفين تماما بيشاركوا بعض لحظة هدوء في ممر ضيق كأنه منطقة محايدة بعيد عن صراع الدنيا. آية قطعت السكوت ده وقالت أنا لسه قدامي دور كامل لازم يخلص قبل نص الليل.. وأنت أكيد وراك ضيوف مستنيينك.
أدهم رد بجمود محدش مستنييني.
بصتله بصه فيها عدم تصديق على شوية حيرة وقالت بخفة دم طيب يا سيدي ما دام مفيش حد مستنييك ما تمسك المساحة وتساعدني بالمرة
أدهم كان هيضحك.. فعلا كان هيضحك لا بلاش ده أنا ممكن أبهدلك الأرضيات خالص.
يا خسارة كانت هتبقى لقطة حلوة نكسر بيها الملل.
مشيت وسبقته بالعربية وهو لقى نفسه ماشي وراها لحد أسانسير العمال من غير ما يفكر. طلعوا في صمت آية ساندة على إيد العربية وأدهم عينه على أرقام الأدوار وهي بتنور وتطفي. في الدور ال 12 الباب فتح على ممر هادي فيه أجنحة الفندق الفخمة وصوت مزيكا جاز هادية جاية من بعيد.
آية زقت عربيتها ناحية أوضة المنظفات فأدهم سألها أنتي دايما بتشتغلي في الحفلات دي
فتحت الباب وقالت وهي بتطلع حاجتها أغلبها.. النفحة أو البقشيش اللي بيطلع في المواسم دي بيسندوا معايا في مصاريف كتب الكلية بتاعة أخويا. وبعدين الشغل هنا أحسن ما أقعد أهري وأكت في كلام ملوش لازمة مع الناس.
أدهم علق زيي بالظبط الليلة دي.
بصتله من فوق كتفها وهو خاف يكون داس على طرف بس هي ابتسمت بخبث وقالت واضح إننا إحنا الاتنين لقينا سكة الهروب المناسبة.
قضوا الدقايق اللي بعد كده في سكوت مريح وهي شغالة بتغير أكياس الزبالة وتمسح رخام كان أصلا بيبرق. أدهم عرض عليها إنه يشيل