كاملة
بنت الحارة والبرينس بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
المحتويات
وهي بتهز راسها باستغراب وضحك.
لما خلصوا الدور بصت في ساعتها وقالت خلاص نص الليل قرب.. الحفلة تحت بتشطب. المفروض تخلع دلوقتي قبل ما الغربان يشموا خبر ويبدأوا يحوموا حواليك تاني.
مسألهاش عرفت منين موضوع الغربان ده بس باين عليها من النوع اللي بياخد باله من كل حاجة حتى لو مبينتش. قالتله هوصلك لحد ممر العمال.
نزلوا الأسانسير مع بعض ولما الباب فتح على الممرات الخلفية الهادية أدهم حس بحاجة غريبة.. حس إنه عاوز يفضل في العالم ده شوية كمان. العالم اللي فيه آية إبراهيم بتتحرك في الضل بمنتهى الثقة ومن غير ما تبرر وجودها لحد.
عند الباب اللي بيخرج على التراس أدهم وقف ثانية وسألها هشوفك تاني
سندت العربية على الحيطة وقالت بضحكة على حسب.. أنت ناوي تقضي بقية حياتك في ممرات العمال
رد بخفة ممكن بنت الحارة والبرينس بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
ضحكت ضحكة صافية من قلبها ضحكة خلت قلبه يتنفض في صدره يبقى أكيد هتشوفني.
وزقت عربيتها واختفت وسابته مع ريحة المنظفات وصوت عجل العربية وهو بيبعد. أدهم مخرجش على القاعة تاني فكرة إنه يرجع للقفص الدهبي ده تحت النجف اللي بيبرق والناس اللي بتبصله نظرات كلها تلقيح وكلام كانت تقيلة على قلبه.
فضل واقف في الضل جنب مكان استلام اللبس نص جسمه متداري ورا المعازيم اللي ماشيين وعينه منزلتش من على باب ممر العمال. مكنش عارف هو مستني ليه آية أكيد روحت باين عليها من النوع اللي بيخلص شغله ويختفي في عالمه الخاص بس فيه جزء جواه الجزء اللي حس بحاجة اتغيرت أول ما ناولته أزازة المية مكنش مستعد يسيب الخيط ده يتقطع ويدوب في هوا الشتا.
الحفلة كانت بتشطب فرقة المزيكا بدأت تعزف ألحان هادية وكأنها بتقول للناس يلا كفاية كده. الكابلز بدأوا يلبسوا البالطوهات الغالية ويتجهوا للبوابات وهو لسه مستني.. كان بيسأل نفسه يا ترى شكلها إيه من غير اليونيفورم ده مش نظرة راجل لست بس فضول إنك تشوف النسخة الحقيقية من حد من غير بادج ولا عربية نظافة ولا ألوان باهتة بتخليها شفافة وسط الحيطان.
وأخيرا الباب اتفتح. آية خرجت بس كانت قلعت الجاكت الكحلي ولابسة بلوفر رمادي ماسك عليها شوية وشمرت كمامه لحد كوعها. ضفيرتها كانت اتفكت شوية وخصلات من شعرها نازلة على وشها. وشها كان مندي مية باين إنها غسلته قبل ما تخلص الوردية.. كانت طالعة شكلها أصغر وبنت بلد واثقة في نفسها أكتر.
قبل ما يتردد أدهم خطى خطوة لقدام آية.
رفعت راسها باستغراب بس ملامحها
كنت مستني أشوفك قبل ما أمشي.
رفعت حاجبها وسندت على العربية أنت بجد مابتحبش الحفلات صح
مبقتش أحبها رد بصوت واطي ومسموع ليها هي بس خصوصا لما عرفت إن الناس بتنسى أصلك وفصلك أول ما يحسوا إن مصلحتهم عندك خلصت.
النظرة اللي في عينيها مكانتش شقفة كانت تفاهم.. وكأنها بتقول له أنا عارفة الإحساس ده كويس. قالتله أهي دي ميزة شغلي محدش بياخد باله مني أصلا.. ومحدش هيقدر يقلب وشه عليك إلا لو كان بص في وشك من الأول.
أدهم بص في عينيها وقال بس أنا خدت بالي.
سكتت لثانية كان فيه سؤال في عينيها أو يمكن دفاع هي مش عاوزة تظهره وقالت طيب أنت جيت هنا عشان تقول لي الكلمتين دول بس
أدهم رد بوضوح لأ.. جيت عشان أعزمك على قهوة في مكان ميكنش فيه ممر عمال ولا تراس فندق.
ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها شك شكلك مش من النوع اللي بيعزم عاملة نظافة على قهوة.
وأديني واقف قدامك أهو بنت الحارة والبرينس بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
آية قالتله بس أنت لازم تعرف.. أنا مش ستايل القهوة اللي أنت متعود عليه وشاورت على البدلة والجزمة ووقفته اللي كلها هيبة أنت شكلك خارج من مجلة من اللي محطوطين في اللوبي.. وواحد زيك مكانه القاعات الكبيرة مش يقعد في مطعم شعبي على ترابيزة خشب مع جرسونة بتسأله تحب أحط لك حتة قشطة زيادة على الفطير
والله وبموت في الفطير والقشطة كمان أدهم قالها وهو بيضحك بجد.
آية بصتله بصه طويلة وبعدين اتنهدت طيب أنا هخلص ورديتي كمان 10 دقايق.. وفيه مكان على الناصية هنا بس بقولك أهو مفيهوش أي نوع من المنظرة. أدهم رد بمنتهى الصدق وده المطلوب بالظبط.
بعد 10 دقايق خرجوا هما الاتنين لبرد الشتا. الجو كان هادي وشوارع القاهرة في الوقت ده بدأت تفضى والهدوء غطى على دوشة الزحمة المعتادة. وصلوا لمطعم صغير علامته النيون بتنور وتطفي بلون بينك خفيف. أول ما دخلوا الجو كان دافي وريحته ميكس بين طعمية سخنة وقهوة ريحتها نفاذة وحاجة حلوة بتتحضر في الفرن.
اختاروا ترابيزة في الركن آية طلبت شاي وأدهم طلب قهوة سادة. الجرسونة صبت لهم من غير كلام كتير وسابتهم وسط صوت الأطباق وكلام خافت من زبونين قاعدين على الناحية التانية.
آية خدت أول بقة من الشاي وسألته ها يا أدهم.. إيه حكايتك حكايتي إيه يعني واحد زيك مش هيدخل ممرات العمال عشان يتفسح وباين عليك مش عاوز تقول لي أنت مين بجد.
أدهم مشى صباعه على طرف الفنجان وقال خلينا
قعدوا يتكلموا ساعة كاملة.. حكوا عن أكتر أماكن بيحبوها وأصعب شغلانات اشتغلوها وعن إحساس إنك تعيش في مدينة ممكن تنسى اسمك في ليلة وضحاها. هو حكى لها إزاي بدأ أول بيزنس وهو عنده 19 سنة وهي حكت له عن جدارية كبيرة رسمتها على حيطة مدرستها زمان ولسه موجودة لحد النهاردة بس لونها بهت شوية.
لما خرجوا تاني للشارع كان الجو هدي خالص. آية قالت له شكرا على القهوة.. وشكرا إنك مسألتنيش الأسئلة السخيفة بتاعة المجاملات. أدهم رد بامتنان والشكر ليكي إنك معاملتنيش كأني سي في أو رصيد في بنك.
ابتسمت ابتسامة حقيقية وخاطفة ولفيت الناحية التانية وهي بتقول تصبح على خير يا أدهم. فضل واقف بيتفرج عليها وهي بتبعد وصوت جزمتها بيختفي في هدوء الشارع. ملفتتش وراها وهو مكنش عارف ليه بس كان نفسه بجد لو بصت وراها مرة واحدة.
تاني يوم الصبح أدهم كان قاعد على ترابيزة السفرة الكبيرة في شقته البرج الفخمة وفطاره محطوط قدامه ملمسهوش. المنظر من الشبابيك اللي واصلة للسقف كان كاشف القاهرة كلها والشمس بتلمع فوق السطوح. في العادي كان زمانه دلوقتي غرقان في تقارير البورصة أو بيرد على إيميلات المديرين بس الصبح ده الموبايل كان مقلوب على وشة واللاب توب مقفول.. ومفيش في باله غير آية إبراهيم.
الموضوع مكنش في شكلها وبس رغم إن شكل ضفيرتها وهي نازلة على وشها وهي قاعدة قدامه في الركن كانت مريحة للعين وليها هيبة بنت البلد الصادقة. الفكرة كانت في الطريقة اللي بتسمع بيها من غير حسابات والكلمة اللي بتطلع من بقها من غير ما توزنها بميزان أنا هستفيد من وراه إيه.
أغلب الناس في حياة أدهم مبيعرفوش يدوا من غير ما يستنوا مقابل لكن آية أدت له اهتمامها من غير أي غرض وده ساب أثر جواه بنت الحارة والبرينس بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
على الضهر كان المفروض يروح غدا عمل مع تلات مستثمرين تقال.. السكرتيرة بتاعته ليلى كانت شايفة إن دي فرصة ذهبية عشان يلم الدور ويغير الصورة اللي الصحافة رسمتها عنه اليومين دول. بس بدل ما يحضر السكربت اللي هيقوله أدهم لقى نفسه بيطلب نمرة الفندق اللي كانت فيه الحفلة.
قسم الخدمات والصيانة أي خدمة رد عليه صوت حازم. أدهم قال أنا أدهم الصيرفي كنت عاوز أوصل لواحدة اسمها
سكت الموظف ثانية ورد بنبرة فيها ذوق بس حذر ممنوع ندي بيانات الموظفين يا فندم بس لو تحب ممكن أسيب لها رسالة. أدهم تردد وبعدين قال تمام.. قول لها الشخص اللي كان في التراس مدين ليكي بقعدة قهوة تانية.
لما قفل السكة حس إنه عمل حركة مراهقين شوية. مفيش أي ضمان إنها هترد ولو ردت يمكن تفتكر إنه مجرد واحد غني بيتسلى. هو شاف النوعية دي كتير ستات بيبقوا عاوزين يصطادوا أدهم الصيرفي عشان البرستيج والفلوس بس الفرق إن آية متعرفش الاسم ده تقله إيه في السوق وهو مكنش عاوزها تعرف دلوقتي.
على بليل موبايله نور برسالة من رقم غريب أنت الراجل اللي مديون لي بالقهوة
أدهم مقدرش يخبي الابتسامة اللي رسمت على وشه على حسب.. أنتي صاحبة مخزن المية والنكت البايخة
ردت بسرعة أنا بعيني.. فاضي بكرة بعد الضهر
السؤال خلاه يتفاجئ ويسكت ثانية.. في العادي الأجندة بتاعته هي اللي بتمشي حياته بالثانية ومواعيده بتبقى محجوزة قبلها بشهر.
بكرة كان يوم فحت وردم اجتماعات ومكالمات وعشا عمل مع عضو مجلس إدارة تقيل بس فكرة إنه يقول لها لأ كانت أتقل على قلبه بكتير من لغبطة جدول يومه. كتب لها خلاص فضيت نفسي.
اتقابلوا في كافيه صغير على ناصية ورا مكتبة سمير وعلي في وسط البلد المكان اللي آية قالت إنها بتحب تتفرج فيه على أدوات الرسم في أيام إجازتها. الكافيه مكنش شبه الأماكن اللي أدهم متعود عليها كراسي خشب مش لايقة على بعض المنيو مكتوب بالطباشير على سبورة وريحة القرفة والبن ماليين المكان.
كانت قاعدة مستنياه لما وصل لابسة بلوفر صوف لونه أخضر غامق وسائبة شعرها المرة دي. كانت طالعة مختلفة من غير تعب الشغل وشها رايق وعينيها فيها لمعة ذكاء وهدوء.
قالت له أول ما قعد قدامها ده أنت جيت بدري بقى! أدهم رد مكنتش عاوز اللحظة تفوتني.
ابتسمت بمكر بس مكسفتوش وقالت طيب يا أدهم يا صاحب الشركات.. بتعمل إيه في حياتك لما متبقاش بتلف في حفلات الفنادق أدهم اعترف شغل.. أغلب وقتي شغل وشغل كتير كمان. بتقولها وكأنك عارف إن دي مشكلة. هي فعلا مشكلة بس الشغل أمان.
آية قلبت الشاي بتاعها ببطء وهي بتبص له الأمان حلو بس دي مش عيشة يا أدهم.
كلمتها نزلت عليه زي الشاكوش. لقى نفسه عاوز يحكي لها عاوز يفضفض عن السنين اللي فاتت من ساعة وفاة والده وإزاي إدارة الشركة بقت فرض مش اختيار وإزاي النجاح بقى حاجة باردة ومملة. بس سكت.. مكنش لسه مستعد يوريها كل كروت حياته.
سألها
متابعة القراءة