زوجة العمده الهاربة للكاتبه نرمين عادل همام

لمحة نيوز

من اللي جاي. دخل بيها المندرة الكبيرة وحطها على الكنبة الخشب المحفورة وعيون والده الحاج رشدي مراقبه بدقة.
الحاج رشدي اتكأ على عصايته الأبنوس وقال بصوت واطي بس مسموع للكل يا ولدي عيلة الشرباوي حطوا السكين على الرقبة. يا إما قمر ترجع لذمتك وتعيش في وسطنا واصل ونقفل باب الدم بالناسبة دي يا إما الحرب هتقوم وأخوك الصغير عمار هيكون هو التمن المرة دي.
بدر عروق رقبته برزت وكأنه بركان على وشك الانفجار قرب من والده وهمس بحدة يعني إنت جايبني من مصر وجايب مراتي اللي هربت مني ومن قسوة عاداتنا عشان نتمم تمثيلية صلح قمر ملهاش ذنب في دم الشرباوي ولا في غدرهم.
في اللحظة دي بدأت قمر تفتح عينيها ببطء الرؤية كانت مشوشة وريحة بخور العود الصعيدي بدأت تخنقها. أول ما لمحت السقف الخشبي العالي والنجف الكريستال القديم عرفت إن الكابوس بقى حقيقة. حاولت تقوم وهي بتترعش لقت بدر واقف قدامها زي السد المنيع.
قمر بصوت مهزوز إنت.. إنت عملت فيا إيه إنت بجد واخدني عشان تار بدر بص لها بنظرة غريبة نظرة فيها وجع مخفي ورا قناع القوة وماردش.
الحاج رشدي قرب منها وقال بنبرة فيها حزم يا بنتي إنتي دلوقت في حماية آل الكومي. عيلة الشرباوي
فاكرين إن هربك زمان كان اتفاق بينا وبين عيلتك عشان نكسر كلمتهم. الليلة البلد كلها لازم تعرف إنك في بيت جوزك عشان السلاح ينزل في الجراب.
قمر وقفت بصعوبة وصرخت فيهم أنا مش ذبيحة! أنا مش القربان اللي هتقدموه عشان تخلصوا من مشاكلكم! يا بدر قوله إنك مش عاوزني قوله إنك طلقتني في سرك من زمان!
بدر لف وشها ناحيته وضغط على دراعها بخفة وقال بجملة واحدة هزت كيانها اللي دخلت بيت بدر الكومي مابتخرجش منه غير بالكفن يا قمر.. والصلح ده هيتم بس بطريقتي أنا.. مش بطريقة الشرباوي ولا حتى بطريقة أبوي!
خرج بدر للميدان اللي قدام البيت حيث كانت رجالة الشرباوي واقفين بسلاحهم عيونهم بتقدح شرر. واحد منهم وهو سالم الشرباوي صرخ بصوت عالي إيه يا عمدة وينها الأمانة ولا لسه الحريم بتتحكم في آل الكومي
بدر حط إيده على خنجره اللي في جنبه وبص لهم بكل تحدي وقرر إنه ينهي اللعبة دي بضربة محدش يتوقعها.
لكن والده الحاج رشدي وضع يده على كتفه وقال برجاء الكبير لازم يحافظ على البلد يا ولدي. الدم لو سال تاني مش هيقف والكل هيتحرق بناره.
في تلك الليلة كانت قمر في غرفة واسعة داخل بيت الكبير تحاول استيعاب كل شيء. شعرت بأن حياتها تعاد كتابتها
دون أن يسأل رأيها. حين دخل بدر كان صامتا لكنه لم يقترب. قال فقط بنبرة جافة الجوازة دي هتنهي الطار... مش أكتر. إنتي هنا عشان خاطر أخويا والبلد مش عشان أي حاجة تانية.
الأيام التالية كشفت ل قمر جانبا لم تكن تتوقعه. رأت كيف يقف بدر مع أهل البلد كيف يحل المشاكل بكلمة واحدة كيف يحمي الضعفاء وكيف يحمل على كتفيه مسؤولية أثقل من الجبال. شيئا فشيئا بدأ خوفها منه يتحول إلى تساؤل وتساؤلها إلى إعجاب بشخصيته اللي اتغيرت وبقت أرسن وأقوى من زمان.
ثم جاءت الليلة التي كادت تعيد الدماء من جديد. وصلت أخبار أن بعض رجال الشرباوي يخططون لغدر بدر أثناء اجتماع الصلح في المندرة. خرج بدر وحده لمواجهتهم كأنه مستعد أن يدفع حياته ثمنا لإنهاء الثأر ووقف بحور الدم.
حين سمعت قمر جرت خلفه دون تفكير. وقفت أمامه في ساحة المندرة وسط السلاح المرفوع وصرخت بصوت ارتجف لكنه كان قويا كفاية دم... لو هتقتلوا بدر يبقى تقتلوني قبله أنا مش هسمح إن حد يلمسه طول ما أنا عايشة!
كانت تلك اللحظة هي التي كسرت كل الحواجز. لأول مرة نظر إليها بدر بنظرة مختلفة نظرة لم تكن فيها قسوة ولا غضب بل شيء أقرب إلى الامتنان والحب اللي كان دافنه سنين. نزل
سلاحه وأعلن أمام الجميع أن الثأر انتهى وأن الزواج بينه وبين قمر هو الرباط المقدس اللي سيجمع العائلتين إلى الأبد.
مر عام بعد تلك الليلة. كانت قمر تقف في بلكونة بيت الكبير بقلب سوهاج تحمل طفلا صغيرا بينما وقف بدر خلفها يضع يده على كتفها بهدوء. قالت بابتسامة هادئة فاكر يوم ما الناس في العجوزة كانت بتقول جوزها جاي ياخدها كنت فاكرة إنك جاي تاخدني بالقوة والوجع... ماكنتش أعرف إنك جاي تاخدني لحياة تانية كلها أمان.
ابتسم بدر ونظر إلى ابنهما ثم قال بصوت منخفض مليان حنية يمكن البداية كانت صعبة وناشفة... لكن النهاية كان لازم تكون سلام وإنتي يا قمر كنت السلام ده.
وهكذا انتهت حكاية جوزها جاي من الصعيد ياخدها الحكاية التي بدأت بالخوف والهمسات وانتهت بحب ولد من قلب النار ليصبح دليلا أن بعض القصص لا تكتب بالاختيار بل تكتب بالقدر.
لكن الصمت اللي كان بين بدر وقمر في ليالي الصعيد الهادية كان وراه اعتراف محبوس بقاله سنين. في ليلة من الليالي والقمر منور فوق نخل السرايا وبدر قاعد قدام قمر في البلكونة قرر يفتح قلبه لأول مرة
بدر سكت لحظة وكأن الكلمات بتطلع منه بصعوبة وقال بصوت واطي فاكرة يا قمر يوم ما قولتلك إنك
واخدة في نفسك
تم نسخ الرابط